ملحمة مخيم تل الزعتر: قراءة في الأسباب والظروف المحلية الإقليمية

رأفت مرة - لبنان

ملحمة مخيم تل الزعتر: قراءة في الأسباب والظروف المحلية الإقليمية

 

يعد  مخيم تل الزعتر من أهم وأكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في مدينة بيروت، وتعد الملحمة التي عاشها المخيم من أهم المحطات التي واجهها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. مخيم تل الزعتر تأسس عام 1949 في عمق منطقة مسيحية بين أحياء الدكوانة والمكلس وسن الفيل والمنصورية. وبسبب انتشار المصانع في تلك المنطقة، ازداد عدد سكان مخيم تل الزعتر من الفلسطينيين واللبنانيين، ووصل عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيم قرابة 20 الف ، و 15 الف لبناني. في نهاية الستينيات بدأ اهتمام وانتشار الثورة الفلسطينية في لبنان يتزايد ، واتسع العمل السياسي والعسكري الفلسطيني خاصة في الجنوب ، وبدأت الإشكالات السياسية والعسكرية بين الفلسطينيين واللبنانيين. وهنا تم توقيع اتفاقية القاهرة عام 1969 ، لتنظيم العلاقة بين الطرفين ، وازداد العمل الفدائي في لبنان بعد أحداث الأردن عام 1970 ، وانتقل غالبية العمل الفلسطيني إلى لبنان. وهنا ازدادت التوترات والاشتباكات بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش اللبناني ، وحدثت عدة اشتباكات في بيروت والمناطق. ودخل الاحتلال الإسرائيلي على الخط لاستهداف الثورة الفلسطينية وتوريط الفلسطينيين في صراعات داخلية ..فأغارت طائرات صهيونية على مطار بيروت عام 1969 وحصل انقسام سياسي لبناني ، كما اغتالت قوة كوماندوس إسرائيلي عام 1973 ثلاثة من قادة منظمة التحرير الفلسطينية في منطقة فردان في بيروت.. كان مخيم تل الزعتر من أبرز واهم المخيمات الفلسطينية للأسباب التالية: عدد السكان قرابة 20 الف ، قوة اقتصادية ، يقع في عمق المنطقة المسيحية ، ينتمي للمخيم عشرات الكوادر السياسية والعسكرية ، قربه من بيروت جعله محطة للوفود الأجنبية التي تزور المخيمات للتعرف على القضية ، ولطلاب الجامعات ولكل المتضامنين مع فلسطين. انعكس التوتر الفلسطيني اللبناني على المخيم ، فحصلت عدة اشتباكات ، كان يتم احتواؤها بالتفاهم واللجان المشتركة. لكن في شهر نيسان / أبريل عام 1975 اعتدى مسلحون من حزب الكتائب اللبنانية على باص ينقل فلسطينيين عائدين من احتفال في بيروت إلى المخيم ، فقتل العديد من ركاب الباص ، ودخلت البلاد في دوامة من الصراع. كان الاحتلال الإسرائيلي جاهزا لدعم مطالب حزب الكتائب بترحيل الفلسطينيين، ودخلت جهات إقليمية على الخط تستهدف الفلسطينيين وتمهد للتدخل في لبنان. وتحدثت المصادر لاحقا عن مشاركة ديفيد بن اليعيزر ( الملقب ب فؤاد ) الذي أصبح لاحقا وزيرا للدفاع في حكومة الاحتلال بشكل مباشر في معارك المخيم. كل هذا كان يقابل بسوء إدارة فلسطينية وفشل لمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها التي لا يمكن تبرأتها من ما حصل للمخيم.. ولا من محاولة إنقاذه. استهدفت ميليشيات الكتائب ونمور الأحرار وحراس الأرز المخيم طوال عدة أشهر في حملات عسكرية..كان آخرها في شهر حزيران / يونيو 1976 حيث حوصر المخيم ومنع عنه الماء والغذاء والدواء والكهرباء ، وسقطت التجمعات الفلسطينية القريبة منه كجسر الباشا وحرش ثابت ..وتعرض المخيم طوال 51 يوما لقصف متواصل من الرشاشات والمدفعية والدبابات. وسقطت أكثر من محاولة لتطويق الأحداث ووقف المعارك وإخلاء الأهالي. وعانى الأهالي داخل المخيم من القصف والقنص ، فقتل العشرات منهم على بئر الماء الوحيد في المخيم ، ونفذت الذخيرة ، واستبسل الرجال في الدفاع عن المخيم .. لكن بسبب الدعم العسكري الهائل للمعتدين، والأوضاع الإنسانية الصعبة، وفقدان الغذاء والدواء، اضطر الأهالي للخروج من المخيم .. وهنا عمل عناصر الميليشيا الكتائبية على قتل الرجال والشباب واغتصاب النساء، وتعرض الكثير من الرجال للتعذيب المباشر على الحواجز، وتم خطف المئات من شباب المخيم الذين انقطعت أخبارهم نهائيا. وسجل مخيم تل الزعتر أصعب المآسي الفلسطينية في لبنان، وفتحت هذه المعركة الباب أمام مخطط جهنمي ضد لبنان وفلسطين، حيث اندلعت معارك وحروب كبيرة، استمرت إلى ما بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982، كدليل على أن استهداف تل الزعتر كان ضد الفلسطينيين واللبنانيين معا، وهناك من تورط في مشروع إسرائيلي ظهرت نتائجه عام 1982 وما بعده.

التعليقات

Send comment