أنا فلسطينية سورية أقيم في لبنان... شيء ما سيحدث لنا قريباً

رشا علي كاتبة فلسطينية سورية مقيمة في لبنان - لبنان

إنّه العيد الثاني والعشرون الذي أقضيه في لبنان. أسمع أصوات تكبيرات العيد تصدح في الأرجاء فتعود بي الذاكرة إلى مرارة الماضي، حيث أصوات التكبيرات المرتجفة في الحناجر، والممزوجة بالقهر والألم والرّعب، أصوات الصراخ والاستغاثة.

لا أفرح بسماع التكبيرات بالرغم من أنّ ديني يأمرني بذلك، ولكنني لم أجد حلاً منذ سنوات. هذا الصوت يذكّرني بلحظات الهروب، والخوف، والقلق، والمجهول الذي ينتظرنا والطائرة الحربية التي تزأر فوق رؤوسنا.

أفتح هاتفي فتصدح في أرجاء الغرفة أغنية "جنّة جنّة جنّة"، بصوت عبد الباسط الساروت الذي لُقِّب بمنشد الثورة السورية وحارسها، فأشعر بقبضةٍ في صدري، وأستذكر المشهد بتفاصيله وتعود بي الذاكرة إلى عشر سنواتٍ خَلَتْ. لا أذكر كيف عشتُ هذه السّنوات الطوال وكأنّها البارحة، لكن ما أوقنه أنّ هذا العمر أصبح مجرّد عدادٍ للأرقام فقط.

أسترجع في ذاكرتي حكايات جدي عن قريتنا الفلسطينية في صفد حيث أشجار اللوز والزيتون وكروم العنب وكيف كان ينهي حديثه بـ"والله وطنّا جنّة"

يسقط الحزن مجدّداً مثل باراشوت. هذه الأغنية التي ما أن وُجدت في هاتف أحد ما حتى أصبح في خبر كان، على الرّغم من أني لم أكُن أسمعها أو أعدّها أغنيةً معارضةً للنظام السوري. إذ منذ بداية "الثورة" نأينا وعائلتي بأنفسنا جانباً. كانت تشدني كلماتها التي تقول "جنّة جنّة جنّة... والله يا وطنّا"، وأسترجع في ذاكرتي حكايات جدي عن قريتنا الفلسطينية في صفد حيث أشجار اللوز والزيتون وكروم العنب وكيف كان ينهي حديثه بـ"والله وطنّا جنّة"، متحسراً على ما سُلب منه ومن أجداده.

كيف تحولت هذه الأغنية في ذاكرتي إلى شعورٍ مليءٍ بالحسرة والقهر والظلم؟ هي كانت في مرحلةٍ ما تشكل خطراً كبيراً على "حاملها"، حين يتم ضبطها في هاتفه على أحد الحواجز التابعة للنظام السّوري. تناديني أمي من الغرفة المجاورة: "أيّ جنّةٍ في هذا الجحيم؟"، وتأتي عبارتها كردة فعلٍ بعد سماعها بالخطابات المتكرّرة والممنهجة ضد وجود اللاجئين السّوريين في لبنان.

أسأل نفسي: هل هذا القرار -إن نُفّذ- أي قرار العودة الطوعية أو القسرية، سيشملني هذه المرّة أم أنني سأُستثنى كوني "أجنبيةً" وفي حوزتي "فيزا" تُجدَّد كل ثلاثة أشهر، ومؤخراً كل ستة أشهر وأدفع ثمنها إذلالاً لكرامتي؟ هل سأُستثنى كوني فلسطينيةً سوريةً، ولا قانون ثابتاً أُعامَل وفقه؟ إحساسي يقول إن شيئاً ما خطيراً قد يحدث لنا في الأيام المقبلة.

منذ صغري وأنا أعيش أزمة هوية، وأزمة وجود، وأزمة انتماء. هذا حالنا نحن الفلسطينيين، فما أن نجد أرضاً نلملم فيها بقايانا، حتى نشعر بأن المكان لا يشبهنا وعلينا الرّحيل. لم أشعر يوماً بالانتماء الكليّ إلى سوريا على عكس الكثير من الفلسطينيين الذين عاشوها، وكانوا يتمتعون بـ"حقوقهم" المدنية والسّياسية كافة. طبعاً، الحقوق التي كانت تُجتزأ وتُعطى مقابل الرضوخ والصمت.

كثيرًا ما كانت تُوجَّه إليّ عبارة "إنتِ مو من هون"، و"حكيّك قريب للّبناني"، فأضطر إلى فتح سيرتي الذاتيّة ونبش شجرة عائلتي والعودة إلى النكبة والتهجير والتاريخ وأصول والدتي ووالدي. لكن منذ عشر سنوات وأنا أبحث عن وطن، وطنٍ أجمع فيه شتات نفسي كما يجمع طفلٌ صغيرٌ ألعابه، وأنثر آمالي وأدفنها علّها تجدُ مستقراً لها، لكن عبثاً أحاول في هذه الأرض التي ما تنفك تمارس عنصريتها بشكلٍ يومي على اللاجئين واللاجئات.

لا أحد يعي مرارة ما أعيشه إلا من قد عاشه فعلاً. فما أصعب أن تكون مسجوناً داخل وطنٍ يلفظك براً وبحراً وجواً ويستمر في تصعيد خطاباته العنصرية كل يوم ليعيّشك تهديداً حقيقياً ويسرق كل بادرة أملٍ تشعرك ولو للحظة بالاستقرار أو الأمان.

ما الذي يجعل المكان أكثر أماناً؟ إلى أين أرحل؟ وإلى أين أعود؟

عشر سنواتٍ وأنا ألملم فُتات نفسي وأدفع من عمري ثمناً لذكرياتٍ أتمنى لو أنها تُمحى لأستمر. أعيش تروما مستمرةً كل يوم إن سمعت صوت طائرة أو فُقِع بالون بجانبي.

 

التعليقات

Send comment