تهويد القدس وقضية الشيخ جرّاح محمود ميعاري

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

بدأت عملية تهويد القدس في عهد الانتداب البريطاني، وبشكل خاص في عهد المندوب السامي الأول، اليهودي الصهيوني، هربرت صموئيل (1920 - 1925)، ففي عهده بدأت أعمال بناء 11 ضاحية (أو مستعمرة) يهودية على هضاب القدس، منها روميما، تلبيوت، بيت هكيرِم، رحافيا، وكريات موشيه. وفي عام 1925 افتتح اللورد بلفور الجامعة العبرية على هضبة جبل المشارِف "سكوبُس" في القدس، وهو موقع إستراتيجي يسيطر على شمالي المدينة ويشرف على القرى المجاورة. وأدى الاستيطان اليهودي في القدس إلى توسيع حدود البلدية عدة مرات، فقد وصلت مساحتها عام 1930 إلى 17 ضعفًا من مساحة البلدة القديمة، أو نحو 4.8 ألف دونم، ارتفعت عام 1948 إلى 20.1 ألف دونم. ورغم تقوية الاستيطان اليهودي في القدس، بقيت ملكية الأراضي لليهود في الجزء الشرقي قبل عام 1948 محدودة جدًا، وفي الجزء الغربي نحو 20%. أما داخل البلدة القديمة، فلم تتجاوز مساحة الحي اليهودي 5 دونمات.

في ظل دعم بريطانيا لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وتقديمها التسهيلات اللازمة لذلك، تعززت كثيرًا الهجرة اليهودية في عهد الانتداب، ففي الفترة الممتدة ما بين العام 1919 وحتى 14 أيار/ مايو 1948، وصل إلى فلسطين نحو 483 ألف مهاجر يهودي، ما أدّى إلى ارتفاع نسبة اليهود من مجموع سكان فلسطين من 10% مع بداية الانتداب البريطاني إلى 35% مع انتهائه. وقد ساهم ذلك بشكل كبير في تعزيز الجالية اليهودية في القدس وقلب الميزان الديموغرافي فيها، ففي حين شكل العرب عام 1947 أغلبية (66%) من مجموع سكان لواء القدس (نحو 300 ألف)، الذي شمل بالإضافة إلى القدس القرى والبلدات المحيطة، فقد أصبح اليهود أغلبية في الحدود البلدية للقدس، وتحول العرب فيها إلى أقلية (99.4 ألف يهودي و65.1 ألف عربي). وقد ساعد تلاعب الإدارة البريطانية بحدود المسطح البلدي لمدينة القدس في هذا التحول. فقد استَثنَت من المسطح الأحياء العربية مثل الطور، وسلوان، والعيسوية، وشعفاط وبيت صفافا، فيما ضَمّت إلى مسطح البلدية كل الأحياء اليهودية مهما بعدت.

وهكذا نجح المخطط الصهيوني قبل عام 1948 في تعزيز الوجود اليهودي في القدس، وإحكام تطويقها استيطانيًا لمنع أي توسع عربي محتمل.

كانت من نتائج نكبة 1948 أن وقعت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية، وضُمّت القدس الشرقية وباقي الضفة الغربية في 24 نيسان/ أبريل 1950 إلى الأردن. وفي حرب 5 حزيران/ يونيو 1967، تمكنت إسرائيل من احتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بالإضافة إلى صحراء سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.

وبعد احتلالها لمدينة القدس الشرقية عام 1967، سعت إسرائيل، ولا تزال تسعى، إلى تهويد المدينة وتغيير طابعها العربي والإسلامي، فخلال الشهر الأول للاحتلال (حزيران/ يونيو 1967)، هدمت إسرائيل حارة المغاربة بكاملها في القدس القديمة، وطردت حوالي ألف مواطن عربي من بيوتهم، وأنشأت ساحة ما يسمى "الحائط الغربي" (البراق). كما أصدر الكنيست في الشهر ذاته قرارًا يقضي بتوحيد شطري المدينة وضم القدس الشرقية إلى إسرائيل. وبعد ذلك، قامت إسرائيل بالعديد من الإجراءات التهويدية العنصرية، أهمها تعزيز الاستيطان اليهودي في المدينة، من خلال توسيع حدود القدس شرقًا وشمالًا، ومصادرة آلاف الدونمات من الأراضي العربية، وبناء العديد من الأحياء والمستوطنات اليهودية عليها، مثل رمات إشكول، والتلة الفرنسية، ونيفي يعكوف، وبسغات زِئيف، وراموت وغيلو. كما قامت إسرائيل بإخلاء مئات البيوت العربية في القدس الشرقية من سكانها الفلسطينيين وإسكان مستوطنين يهود فيها، بادعاء أن اليهود كانوا يقطنون هذه البيوت، أو يقطنون المنطقة المُقامة عليها هذه البيوت، قبل عام 1948. وفي السياق نفسه يأتي مؤخرًا الزحف اليهودي العنصري إلى حي الشيخ جرّاح في القدس.

تتلخص قضية المنازل العربية المهددة بالإخلاء في الشيخ جرّاح، في أن 28 عائلة من اللاجئين توصلت عام 1956 إلى اتفاق مع وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، يقضي بتوفير مساكن لها في حي الشيخ جراح، فقد وفرت الحكومة الأردنية الأرض، وتبرعت وكالة الغوث بتكاليف إنشاء 28 منزلا. واشترط الاتفاق أن يدفع السكان أجرة رمزية، على أن يتم نقل الملكية للسكان بعد انقضاء بضع سنوات من إتمام البناء. لكنّ حرب حزيران/ يونيو عام 1967 (التي انتهت باحتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس)، حالت دون متابعة نقل ملكية الأرض للسكان وتسجيلها بأسمائهم. وبعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967، نشطت الجمعيات الاستيطانية الصهيونية محاولةً إخلاء هذه المنازل بادّعاء أن اليهود كانوا يقطنون المنطقة قبل عام 1948. وحتى اليوم جرى إخلاء منزلين بالقوة من الشيخ جراح من أصل 40 منزلًا مهددًا بالإخلاء، مقامة على أرض مساحتها نحو 10 دونمات. ومن الجدير ذكره أن أصحاب المنازل رفضوا مؤخرا عرضًا للمحكمة العليا الإسرائيلية، يعترف بموجبه أصحاب تلك البيوت بملكية الجمعيات الاستيطانية للأرض المقامة عليها بيوتهم، مقابل تأجيل الإخلاء.

لتحقيق إخلاء المنازل العربية في حي الشيخ جراح، لم تستند سلطات الاحتلال وجمعياتها الاستيطانية أمام المحاكم الإسرائيلية على قانون أملاك الغائبين لعام 1950، الذي يُعَرّف كل من هُجِّر أو نزح أو ترك الحدود، حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 بسبب الحرب، على أنه "غائب"؛ ولذلك تُنقل أملاكه إلى الدولة. لم تستند السلطات الإسرائيلية على هذا القانون في قضية الشيخ جراح، لأن أهل المنازل المهددة بالإخلاء مقيمون فيها وليسوا غائبين، ولكنها استندت إلى قانون الشؤون القانونية والإدارية لعام 1970، الذي يمنح اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم في الجزء الشرقي من مدينة القدس عام 1948 الحق في استردادها. وهنا يجب التأكيد على أن هذا القانون يسري فقط على اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم في القدس الشرقية، ويتيح لهم المطالبة باستعادتها، ولا يسري على الفلسطينيين الذين هُجّروا من القدس الغربية عام 1948. ومن الواضح أن هذين القانونين، واحد للعرب وواحد لليهود، يرقيان إلى قوانين الفصل العنصري (الأبارتهايد). فاليهودي، بموجب هذه القوانين الجائرة، يحق له المطالبة باسترداد ممتلكاته التي فقدها نتيجة حرب 1948، بينما لا يحق ذلك للعربي!

وبما أن المحكمة العليا الإسرائيلية ستستند في قرارها حول قضية الشيخ جرّاح إلى قوانين عنصرية كهذه، فإنني أتساءل: هل من جدوى في اللجوء إليها في مثل هذه القضايا؟ وهل سيكون لهبّة الشيخ جراح الأخيرة أثر في نوع الحكم الذي ستصدره المحكمة؟

التعليقات

Send comment