الأبعاد السياسية لقضية اللاجئين الفلسطينيين الإنسانية عبد معروف

وكالات أنباء - بيروت

لم تكن قضية اللاجئين الفلسطينيين في بلدان الشتات، ومعاناتهم خلال عقود طويلة من الزمن بسبب كارثة بيئية ، أو زلزال ضرب فلسطين ، وأدى إلى تشريد شعبها .

بل إن لقضية اللاجئين الفلسطينيين ، أسباب وخلفيات سياسية لها علاقة بطبيعة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين العربية، وما قامت به العصابات الصهيونية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من حروب ومجازر وتشريد ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، لتحرم شعباً كاملاً من حقوقه المشروعة على أرض وطنه.

لذلك أيضاً، فقضية اللاجئين الفلسطينيين وهي من أبرز وأكثر القضايا الفلسطينية تعقيداً منذ العام 1948، بسبب السياسة التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية في إطار مشروعها السياسي القائم على طرد السكان الأصليين، وتوطين مهاجرين من مختلف بقاع الأرض على أسس دينية، تمنحهم حق الإقامة والسكن وبناء المستوطنات وكأنهم أصحاب الأرض .

لهذا، شكلت قضية اللاجئين منذ نشوئها محور القضية الفلسطينية، وأصبحت النكبة التي أحدثتها العصابات الصهيونية بحق شعبنا الشاهد الرئيسي على إحدى أكبر عمليات التطهير العرقي في القرن العشرين، وأكبر مأساة سياسية وإنسانية متواصلة منذ العام 1948 حتى يومنا هذا في الوطن والمنافي ومخيمات اللجوء.  

يُعتبر حوالي 70 بالمائة من الشعب الفلسطيني في العالم من اللاجئين، حيث يعدّ واحد من كل ثلاثة لاجئين في العالم لاجئاً فلسطينياً، ولا يحمل نصف اللاجئين الفلسطينيين الجنسية، بل منعتهم "إسرائيل"، السلطة القائمة بالاحتلال، لعقود طويلة من حقهم في العودة إلى وطنهم في انتهاك صارخ  للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وخاصة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة  رقم 194 ، في الوقت الذي سهّلت فيه هجرة اليهود إلى فلسطين دون قيد أو شرط.

يفتقر اللاجئون الفلسطينيون إلى أبسط الحقوق الإنسانية، ويعانون من انعدام الحماية والمساعدة الدولية الملائمة، ويدفعون ثمن اللجوء بشكل مزدوج سواء في الخارج أو في الوطن المحتل.

 ولذلك، يشكل حلّ قضية اللاجئين الركيزة الأساسية لأي حل منصف وعادل للقضية الفلسطينية، ويرتكز في جوهره إلى القانون الدولي وحق اللاجئ الفلسطيني غير القابل للتصرف في العودة إلى دياره التي شُردّ منها عام 1948، ومجموعة من الخيارات التي تهدف إلى الوصول إلى حل عادل ودائم.

في العام 1948، طردت العصابات الصهيونية وشرّدت قسراً  795 ألف فلسطيني من أصل مليون وأربعمائة ألف فلسطيني كانوا يعيشون في فلسطين التاريخية، وأجبرتهم على الرحيل القسري من منازلهم وأراضيهم وديارهم الأصلية، وأصبحوا لاجئين قبل إعلان قيام ما تسمى "|دولة إسرائيل" وبعده مباشرة.

 بقي حوالي 150,000 فلسطيني في فلسطين، منهم 46,000 فلسطيني تمّ تهجيرهم داخلياً، ورفضت سلطة الاحتلال السماح لأؤلئك المهجرين الفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم وقراهم.

وأثناء الإحتلال العسكري الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، تم تهجير أكثر من  430,000 فلسطينياً، توجه بعضهم إلى دول الجوار والمنافي، واستقر آخرون في مخيمات أو مدن وقرى داخل فلسطين.

ومنذ عام 1967، واصل الفلسطينيون مواجهتهم لسياسات التشريد والإقتلاع القسري من أرضهم، والتي شملت التهجير القسري بما فيه هدم المنازل ومصادرة الأراضي والموارد، وتهويد القدس ومحيطها، وسحب حقوق الإقامة، وتكثيف المشروع الإستيطاني الإستعماري غير القانوني، وبناء جدار الضم والتوسع، وعمليات الإعدام الميداني، والاعتقالات، وفرض الحصار غير الشرعي على قطاع غزة.

كما قامت "إسرائيل"، القوة القائمة بالاحتلال، بتجريد الشعب الفلسطيني الذين طردته قسراً قبل عام 1948 وبعده من جنسيتهم بموجب قرار اتخذه "الكنيست"الإسرائيلي عام 1952، وصادرت كافة ممتلكاته وحولتها إلى ملكية "دولة إسرائيل" وخصصته حصرياً لصالح المستوطنين اليهود.\

وفي عام 1948 وبعدها ، اقترفت ما لا يقل عن 80 مذبحة  شملت القتل والتهجير القسري والهدم، وتدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية، وإفراغها من سكانها بشكل كامل، وتحويلها إلى مستعمرات يهودية من أجل إحلال المهاجرين والمستعمرين اليهود محل الشعب الفلسطيني، وطمس الهوية الفلسطينية وجعل عودة أهلنا الى قراهم الأصلية أمراً مستحيلاً.

وكما قال وزير الجيش الصهيوني السابق موشيه ديان عام 1969:

"لقد أقيمت القرى اليهودية مكان القرى العربية. أنتم لا تعرفون حتى أسماء هذه القرى العربية، وأنا لا ألومكم لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة، ولكن ليست كتب الجغرافيا وحدها التي لم تعد موجودة، بل القرى العربية نفسها أُزيلت أيضاً. فقد قامت نهلال في موضع معلول، وكيبوتس غفات في موقع جباتا، وكيبوتس ساريد في موضع خنيفس، وكفار يهوشوّع في موضع تل الشومان، وما من مكان بُني في هذا البلد إلا وكان فيه أصلاً سكان عرب".

ولم يسمح الاحتلال الصهيوني للاجئين الفلسطينيين عام 1948 أو للاجئي عام 1967 أو للأشخاص المهجّرين داخلياً من العودة إلى منازلهم أبداً، وذلك من خلال الممارسات الإجرامية للعصابات الصهيوينية ضدّ كل من حاول العودة بالقتل والتصفية الجسدية أو من خلال سنّ "إسرئيل" للمزيد من القوانين العنصرية التي تضمن عدم عودة اللاجئين، وأخطرها ما شرّعته سلطة الاحتلال مؤخراً وعُرف "بقانون القومية" العنصري الذي يلغي قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة إلى ديارهم، ويلغي مسؤولية الاحتلال في الاعتراف بمأساة اللاجئين ورواية النكبة، وينفي الوجود الفلسطيني واستمراريته على أرضه.

 ومع ذلك، ووفقًا إلى بعض التقديرات، بقيت حوالي 90 بالمائة من مواقع القرى الفلسطينية المهجرة  شاغرة وغير مأهولة.

من جهته ، رأى مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين علي هويدي أن الاحتلال الاسرائيلي يدرك حقيقة حق العودة كعنصر رئيسي في معادلة الصراع، ولذلك لم تتوقف محاولاته من تفريغ هذا الحق من مضمونه بمشاريع وخطط سياسية منذ قيام الكيان الإسرائيلي وحتى يومنا هذا، وقد وصف أول وزير خارجية إسرائيلي، موشيه شاريت، طرد السكان العرب من فلسطين على انه " أهم حدث في التاريخ المعاصر لفلسطين وانه أكثر إثارة من إنشاء الدولة اليهودية ".

يضيف هويدي: تسعى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى طي صفحة اللاجئين إلى الأبد،  وقد وصل الأمر بحكومة شارون إلى حد المناداة العلنية بتنفيذ عمليات توطين اللاجئين حيث هم في أماكن اللجوء وبمساعدات دولية وعربية، وشكل مؤتمر هرتسيليا الخامس الذي عقد بين 14- 16 كانون الأول / ديسمبر 2004 ذروة الهجوم الإسرائيلي على حق العودة بمطالبة واضحة بتوطين اللاجئين قبل حل القضية الفلسطينية، وجعل ذلك شرطاً لإمكانية التوصل إلى تسوية مع السلطة الفلسطينية، فاعتبر سيلفان شالوم في خطابه أمام المؤتمر بأن : "حجر الأساس المركزي في بناء الثقة كان وما زال مطالبة الفلسطينيين بـ (حق العودة) واستخدام (الإرهاب).

وبحسب هويدي، علينا أن نعمل من أجل إزالة حجر الأساس الكامن في ادعاءات العودة الفلسطينية وإن الطريق للقيام بذلك هي بواسطة أقوال وأعمال فلسطينية، بأن يقول الفلسطينيون: إنهم ينوون ترميم مخيمات اللاجئين في الأماكن التي توجد فيها اليوم وعلى العالم أجمع أن يساهم في ذلك، فثمة فائدة كبيرة في الجهود لترميم مخيمات اللاجئين للفلسطينيين لنا وللعالم".

حقيقة الغاية الإسرائيلية من الحل الذي تسعى إلى تحقيقه بطي صفحة اللاجئين تكمن في هذا القول: "إن ثمة حاجة لأن يقول الفلسطينيون بوضوح إن تطلعاتهم الوطنية لا تشمل عودة اللاجئين إلى تخوم إسرائيل ".

وليس هذا فحسب بل إن رئيس حكومة الاحتلال الأسبق "أرييل شارون" تباهى بتوافقه مع الولايات المتحدة بشأن إسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى حدود 1948، وأكد على ذلك عقب الانسحاب من قطاع غزة "لا مزيد من خطط فك الارتباط الاحادية الجانب ولا مفاوضات حول القدس ولا لعودة اللاجئين" فيما طالب نتنياهو أن يتم " جهد حثيث لتفكيك مخيمات اللاجئين وإبعاد العنف عن هذا المجتمع". وبذلك جعل نتنياهو تمسك الفلسطينيين بحق العودة والإصرار عليه (إرهاب وعنف ).

أمام تعقيدات القضية الفلسطينية بشكل عام وقضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص ، هناك ضرورة إلى إعادة هذه القضايا الإنسانية إلى سياقها الطبيعي في إطار الصراع السياسي مع المشروع الاستعماري الصهيوني على أرض فلسطين لأن قضية اللاجئين الفلسطينية ليست قضية مساعدات تموينية ، وغذائية وإغاثية ، إنها قضية شعب له حقوقه في وطنه ومن حقه العودة إلى الأرض التي طرد منها ، ولأن لا إمكانية لمنح اللاجئين الفلسطينيين حقوقهم المشروعة ، أمام احتلال مازال يصادر الأرض ويقيم المستوطنات ويعمل بالعدوان والقتل والهدم على تحقيق مشروعه الاستيطاني القائم على تشريد شعب فلسطين وتشجيع الهجرة من مختلف بقاع الأرض على أسس دينية مختلفة للسكن والاستيطان .

التعليقات

Send comment