خارطة المشهد الثقافي في "اليرموك".. تاريخ يأبى الاندثار

دائرة شؤون اللاجئين - سورية

لطالما تغنى الفلسطينيون بتطور وتنوع الحالة الثقافية في مخيم "اليرموك" للاجئين الفلسطينيين (جنوبي العاصمة السورية دمشق)، والتي ساهمت في تشكيلها انعكاسات اللجوء وتعدد المشارب الثقافية والسياسية والدينية، بالإضافة لارتباطها بالحالة الثقافية الفلسطينية وبالمحيط الدمشقي الجديد وبالحراك الثقافي السوري.

كينونات جعلت من المخيم منارة ثقافية، في شتى المجالات إلى أن جاءت الحرب، فخفتت أنوار تلك المنارة الفلسطينية.

إلا أنَّ اللافت كان إعلان محافظة دمشق في حزيران/ يونيو الماضي، عن مخطط تنظيمي جديد لمخيم اليرموك يهدف إلى تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء، ويتم التعامل معها كأحياء دمشقية، ما يعني نزع رمزية المخيم الفلسطيني عنها، وشطب تاريخه الأدبي والثقافي.

الكاتب والباحث الفلسطيني خليل الصمادي، قدم في لقاء خاص مع "قدس برس" قراءة شاملة للمشهد الثقافي في مخيم "اليرموك"، قبل الحرب في سورية.

وتطرق إلى دور المساجد في توعية الشباب الفلسطيني، بكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ونشاطات الحاج أمين الحسيني آنذاك، ومكاتبه المنتشرة في عدد من العواصم العربية والعالمية.

وأشار إلى أنّ أول مسجد بُني في المخيم هو مسجد "عبد القادر الحسيني" عام 1956، ثم مسجد "الرجولة"، واستمر بناء المساجد حتى بلغت أكثر من عشرة مساجد، لم تخل جميعها من مكتبة ما بين صغيرة ومتوسطة.

وأردف أن من الدعاة الذين تركوا بصمات في مخيم اليرموك: الشيخ رجب ديب، والشيخ صادق حبنكة، وشوكت جبالي، وخالد الجباوي، وزياد الجزائري، والداعية منيرة.

ولفت الصمادي إلى أن الهيئة العربية العليا لفلسطين، كانت الممثل الشرعي للاجئين الفلسطينيين بزعامة الحسيني، في ذاك الحين.

مدارس أونروا

وأشار الصمادي إلى أن مدارس "أونروا" ساهمت في تعريف طلابها بالقضية الفلسطينية وإقامة المسابقات الثقافية والدورات والندوات والرسومات، وأما الأناشيد الصباحية فكانت للشاعر الراحل هارون هاشم الرشيد "عائدون عائدون.. إننا لعائدون".

ولم تكتف "أونروا" بذلك؛ فقد كانت تجلب في كل موسم صيفي عددا من الأفلام المصرية الهادفة، وتعرضها بالمجان في النادي العربي الفلسطيني، على شاشة في الفضاء الواسع بين مئات من المشاهدين الذين افترشوا الأرض.

وأوضح: "لم تكن هناك مقاهٍ خاصة بالمثقفين ككثير من البلاد، بل فتحت بيوت كثيرة أو كانت تعقد تحت أشجار الزيتون في المناطق المحاذية للمخيم، ثم تحول منزل الشيخ ناصر الدين الألباني، منذ ستينيات القرن الماضي إلى مركز للدعوة السلفية لمريديه من المخيم وخارجه".

وأضاف تطورت هذه المنتديات مع تطور المخيم بعد عام 1974، وبرزت أسماء كثيرة ممن فتحوا بيوتهم للشعراء والأدباء والفلاسفة، منهم ندوة يوسف اليوسف، ومنتدى الشاعرة ابتسام الصمادي، ومؤسسة "مدارس السمو".

وأضاف بعد أن استقر اللاجئون في المخيم بدؤوا يميلون إلى اقتناء الكتب والمجلات وبرزت ظاهرة المكتبات الخاصة، لا سيما لدى المهتمين بالشأن الديني والشأن السياسي وبرزت أسماء لامعة في اقتنائها للكتب، فمن الذين حووا على مكتبات كبيرة المشايخ: علي خشان، وعبد الوهاب مصطفى، ورجا الكوسى، ومحمود الصمادي، وإسماعيل الكيلاني، وموسى اللكود، ومحمد الطيب الإبراهيم، وعلي صبحية.

وأما من النقاد والساسة والأدباء، فاشتهرت مكتبة يوسف اليوسف، وداود يعقوب، وعلي بدوان، ونبيل أبو عمشة، وعماد الدين رحمة، وماهر الطاهر، وفؤاد عودة، وإبراهيم عبد الله، وأحمد موسى، ومحمود موعد، وحمد موعد، وفوزي حميد، وفيصل دراج، وعبد الكريم الحشاش، وعلي حمد، وعلي حسين عمر، والمؤرخ أحمد خليل العقاد، وسميح جبر، وحسن الباش، وأوس يعقوب، ومحمد العايدي، وغيرهم.

وأسهب الصمادي: "مع بداية عام 1965، انطلقت حركة فتح، وانتشرت في المخيم ورافقت هذه الانطلاقة حركة ثقافية كبيرة امتدت في جميع أحياء المخيم، من خلال العديد من المراكز الثقافية والنوادي التي تتبع لكل تنظيم فلسطيني، وأقيمت الندوات العديدة وعرضت الأفلام وأقيمت المهرجانات، ووزعت المجلات الفصائلية، كفلسطين الثورة، والهدف، وإلى الأمام، والحرية، وفلسطين المسلمة، والعودة، وامتلأت جدران المخيم بالملصقات والرسومات واللافتات.

وعن أهم المنابر الثقافية في المخيم، يذكر الصمادي معسكر فتح للأشبال عام 1970 في جنوب المخيم، ومركز الشهيد ماجد أبو شرار، ومركز "عز الدين القسام" في مجمع الخالصة التابع للجبهة الشعبية للقيادة العامة، ومركز الشهيدة حلوة زيدان في أول اليرموك، والتابع لجيش التحرير الفلسطيني، والمركز الثقافي الفلسطيني للجبهة الديمقراطية.

أما حركة "حماس" فكان لها نادي جنين الثقافي، وتجمع العودة الفلسطيني (واجب)، ومؤسسة فلسطين للثقافة، ومركز إبداع، وبيت فلسطين للشعر، ومؤسسة القدس للثقافة والتراث، بالإضافة إلى قاعات للتجمعات الثقافية، مثل قاعة "خالد نزال"، و"سمير درويش"، وقاعة عبد الكريم حمد.

وفي العام 1977 ظهرت فرقة العاشقين، وامتازت بأغانيها الوطنية والثورية، وشاركت في الكثير من المناسبات الوطنية، وساهمت في تطور الأغنية الفلسطينية.

أشهر مكتبات المخيم

أما دور النشر والمطابع فعدّدها الصمادي، وهي: دار الكرامة، دار المسبار، ودار الموعد، ودار الشجرة، ودار القدس، ومؤسسة فلسطين للثقافة، وبيت فلسطين للشعر، ودار الشجرة، ودار الكرامة، ومطابع منصور وشاهين وعمايري.

أما المكتبات التجارية العامة فيقول الصمادي: أول مكتبة أنشئت منصف ستينيات القرن الماضي في شارع "لوبية" هي مكتبة النهضة، وبعدها بسنتين افتتحت مكتبة القناعة، وكانتا متخصصتين بالقرطاسية فقط، وأما المكتبة الثالثة فهي مكتبة الطلاب الحديثة، وهي أول مكتبة اهتمت بالشأن الثقافي، ثم انتشرت في الثمانينيات عدة مكتبات اهتمت بالفكر والثقافة منها مكتبة الرشيد في شارع اليرموك، ومكتبة القدس قرب جامع عبد الحق، مقابل ثانوية اليرموك للبنات، ومكتبة اقرأ في شارع اليرموك، ومكتبة فوزي حميد، قرب جامع عبد القادر الحسيني، ومكتبة عصفور مقابل مدرسة صرفند، ومكتبة المنصورة في شارع المدارس، ومكتبة راتب الفار، قرب إعدادية الفالوجة، ومكتبة الشهابي في شارع صفد التي نالت شهرة واسعة، والعشرات غيرها في أغلب المناطق السكنية.

وعن المعاهد التعليمية والمدارس، يبين الباحث الصمادي، أن أول معهد افتتح في المخيم منذ أواخر ستينيات القرن الماضي هو معهد القدس، وفي بداية الثمانينيات أنشئت معاهد الكوري، والعلا، وطارق بن زياد، والإباء، والخيام، والمختار، والقدس، وفلسطين، والشهابي، والبهاء، والشام، والمستقبل، والنور، وثانويّتا العودة والسمو الخاصتان، بالإضافة لأكثر من أربعين مدرسة رسمية، منها أربع ثانويات أغلبها يتبع الأونروا، ومديرية تربية مدينة دمشق، وساهمت جميعها في تألق المشهد الثقافي.

وتطرق الصمادي إلى دور السينما، مبينا أن أول سينما في أوائل الستينيات كانت سينما اليرموك، ثم الكرمل، والنجوم، حيث كانت تقام فيها الأنشطة الثقافية الفلسطينية، ولا سيما الأخيرة، التي شهدت مئات الفعاليات الفلسطينية من محاضرات ومهرجانات وتأبينات وغيرها.

أما أبرز الشخصيات الثقافية في المخيم، والتي تركت بصمات واضحة أثرت في وجدان الفلسطينيين في المخيم يذكر الصمادي من الأدباء: يوسف سامي اليوسف، د. محمود موعد، د. فيصل دراج، د. يوسف حطيني، وأحمد خليل العقاد، د. أسامة الأشقر، وسمير عطية، ومحمود السرساوي، وأحمد السرساوي، وعلي بدوان، وابتسام الصمادي، د.أحمد برقاوي، وعماد رحمة، وغسان الشهابي، د. إبراهيم عبد الله، د.حسن الباش، ومحمد أبو عزة ، د. أسعد الفلو، ومحمود مفلح، د. نبيل أبو عمشة، د. محمد عطا موعد، ونبيل السهلي، وأحمد مفلح، وعبد الفتاح إدريس، وتاج الدين عم علي، ومطر عبد الرحيم وغيرهم.

ومن الفنانين: عبد الرحمن أبو القاسم، هاني السعدي، تيسير إدريس، موفق السيد، مأمون الشايب، يحيى عشماوي، داود يعقوب، طالب يعقوب، حسن سامي اليوسف، عبد الله أبو راشد، عبد المعطي أبو زيد، علي الكفري، محمد الركوعي، ياسين بقوش، مروان زرزر، فهد بلان، وغيرهم.

ومن علماء الشريعة: الشيخ ناصر الدين الألباني، علي خشان، رجا الكوسى، خالد الجباوي، شوكت جبالي، إسماعيل الكيلاني، أحمد حجو، والقاضي الشرعي الأول بدمشق محمود المعراوي وغيرهم.

وقد تعرضت المؤسسات الثقافية في المخيم خلال الحرب للنهب والسلب، وحرق طال مقرات العمل الثقافي والإعلامي للفصائل الفلسطينية، بما فيها المكتبات والأرشيفات وقواعد البيانات، وكذلك المكتبات الخاصة لعدد كبير من المثقفين والأكاديميين، وهي مكتبات تميز بعضها بغناها بالمخطوطات والكتب والصحف والمجلات الدورية والوثائق التاريخية.

التعليقات

Send comment