معركة تهويد الضفة تتسارع عبد الناصر النجار

رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو تحدث منذ سنة عن ضم الضفة الغربية تدريجيا بدءا بالأغوار، ووقتها اعتبر كثيرون أن تصريحاته ليست سوى دعاية انتخابية في ظل الصراع السياسي الدائر على الحكم في إسرائيل وللإفلات من قضايا الفساد. ومع الوقت تبين أن اعتقادهم كان ساذجا، لأن كل من اعتقد أن نتنياهو يناور، لم يقرأ الخريطة على الأرض ولم يلاحظ الأمر الواقع المفروض على أنحاء الضفة، بما فيها المناطق المصنفة "أ" التي كثف الاحتلال اعتداءاته عليها.

نتنياهو تحدث أولا عن ضم الأغوار في حال فوزه في انتخابات الكنيست الأولى في نيسان الماضي، إلا أن نتائج انتخابات الكنيست وعدم قدرة اليمين على تشكيل الحكومة كان عاملا مؤقتا ساعد في وقف الضم الذي لم يعارضه حزب "أبيض أزرق" المنافس، الذي تحدث قادته أيضا عن خيار الضم.

معركة تهويد الضفة بدأت واقعيا بعد فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، فقد أعلن مباشرة عن نيته تنفيذ وعوده الانتخابية لإسرائيل، فعين طاقم مستشارين من المستوطنين المقيمين في الولايات المتحدة الذين تقع آراؤهم على يمين المستوطنين المتطرفين.

في الأسبوع الماضي بدأت التطورات الدراماتيكية تتوالى من خلال مجموعة من التصريحات التي أعلنت صراحة عن انطلاق معركة تهويد كامل الضفة الغربية.. والكل من حولنا صامت، ونحن شبه عاجزين عن مواجهة هذا التسارع.

تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان منتصف الأسبوع قلبت الطاولة على أي بصيص لسلام عادل. بعد أن أكد أن إدارة ترامب وضعت أمام ناظريها 3 قضايا لتغيير الواقع بعد نكسة العام 1967، أولها القدس التي قدمتها واشنطن هدية للاحتلال من خلال اعترافها بأنها عاصمة موحدة لإسرائيل واستعجلت نقل السفارة إليها وبالتالي إزاحتها عن أي مفاوضات مستقبلية، ثم سعت جاهدة لتصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.. وبعدها أقرت إدارة ترامب بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان.

فريدمان أطلق الرصاصة الرابعة إلى قلب الضفة الغربية عندما أكد أنه حان الوقت لاتخاذ قرارات حول السيادة الإسرائيلية على الضفة التي كرر ذكرها بالاسم العبري الاستيطاني "يهودا وشمرون"، معتبرا أن الفلسطينيين مجرد مقيمين فيها، وهو الوصف نفسه الذي تطلقه سلطات الاحتلال على المواطنين الفلسطينيين في القدس، وهذا موقف في غاية الخطورة سيترتب عليه ما لا نتوقعه في المستقبل في حال تمريره.

أقوال المستوطن فريدمان لم تحرك ساكنا لدى العرب الغارقين بمعارك داحس والغبراء الذين لديهم من المشاكل ما يفوق قدرتهم على التصدي للعدوان الشامل على الضفة ولو كلاميا.

ثم جاءت تصريحات نتنياهو، مؤكدة اقتراحات الضم ومضاعفة الاستيطان وتكثيف البناء في مختلف المستوطنات، معتبرا أن مجرد التفكير بإخلاء أي مستوطن هو تطهير عرقي.

توجت هذه المواقف بخطة وزير الجيش الإسرائيلي نفتالي بينيت الذي أعلن تشكيل "منتدى المعركة على مستقبل المنطقة ج في الضفة"، حيث أكدت مصادر قانونية إسرائيلية أن ذلك يعني ضما فعليا للضفة الغربية.

منتدى بينيت سيعطي الحق للمستوطنين بشراء أراض في الضفة الغربية، ثم تزويد البؤر الاستيطانية بشبكتي المياه والكهرباء، ومنع إخلاء أي بؤرة أقيمت على أراض فلسطينية خاصة ولو كانت مخالفة لقرارات محكمة الاحتلال العليا.

إذا كان هذا هو التعامل مع البؤر، فكيف سيكون الحال بالنسبة للمستوطنات... يضاف إلى ذلك المطالبة بنقل تسجيل ملكية أراضي الضفة إلى السجل الإسرائيلي (الطابو)، حيث كانت هذه المهمة ملقاة على إدارة الاحتلال المدنية.

هذه الخطوط الأكثر وضوحا لصفقة القرن التي تم تأجيل الإعلان عنها صحافيا، ولكنها تطبق على الأرض وقد أنجز الكثير منها.. مع التأكيد على أن سلطات الاحتلال تمكنت خلال السنوات الثلاث الماضية من إحداث تغيير فعلي وديمغرافي وجغرافي في الضفة، ضاعفت فيه عدد المستوطنين.. وأكبر دليل هذه الطرق والشوارع الاستيطانية التي تقطع أوصال الضفة وتحولها إلى كانتونات مبعثرة، والسيطرة على الأغوار، وتهجير العائلات البدوية على امتداد الحدود الشرقية ابتداء من شرق القدس وبيت لحم والخليل وصولا إلى البحر الميت، ومخطط جلب مليون مستوطن خلال عقد من الزمن.. ما يعني تنفيذا كاملا لصفقة القرن التي أصبحت لا تحتاج موافقة أي جهة أوروبية أو دولية أو أممية دون ذكر للعرب.

فلسطينيا الوضع معقد جدا في ظل حالة الضعف والانقسام، فلا توجد رؤية واضحة لوقف تنفيذ صفقة القرن على الأرض سوى كثير من الاجتماعات بمسميات مختلفة يصدر عنها بيانات دون قيمة.

الوقت يمر أسرع من انتظارنا وسيتحمل جيلنا ونحن جميعا مواطنين وقيادة المسؤولية التاريخية إذا لم نتحرك بقوة وسرعة دون انتظار مساعدة لن تصل من خارج حدودنا!!