المتضامنون الأجانب في مسيرات العودة.. حب فاق خطر الرصاص والغاز

يضع الكوفية الفلسطينية على كتفيه، ويتلفع بالعلم الفلسطيني، ليخترق كومة من دخان الإطارات المحروقة خلف المتظاهرين.

مرة تجده يساعد المصابين في العلاج وتقديم الماء لهم، ومرات أخرى يقف متحدياً الرصاص وقنابل الغاز، ويوكل لنفسه مهمة شحن المعنويات بكلمات يطلقها بصوته عالٍ: "الله أكبر، تحيا فلسطين".

من بعيد تعتقد أنه فلسطيني كآلاف المشاركين في التظاهرة الأسبوعية على حدود قطاع غزة، لكن عندما تقترب منه تخبرك ملامحه الآسيوية بغير ذلك، فقد أجبره عشقه لفلسطين وقضيتها أن يترك خيرات بلاده ويستقر في غزة.

"هندرا ويجايا" شاب إندونيسي اختلطت مشاعره في حب فلسطين، فبعد أن تزوج بغزية قبل سنوات، قرر أن يدعم حبه ويرسخ ارتباطه بالقتال بصوته ويده وعزيمته، بجانب أبناء شعب زوجته، في كل جمعة، على حدود غزة الشرقية ضمن مسيرات العودة الكبرى.

نصرة فلسطين حق

بكلمات عربية مكسرة وثقيلة بعض الشيء عند نطقها، يقول ويجايا، لـ"الخليج أونلاين"، إن حبه لفلسطين وعشقه لقضيتها العادلة كالارتباط الروحي الذي تجاوز الحدود، وإنه ترك خلفه "الدنيا بما فيها من متاع ورفاهية للدفاع عن قضية الغلابة والمساكين والمظلومين".

ويضيف: "تربيت على حب فلسطين منذ الصغر، واعتبرت العيش فيها بين أبنائها الثائرين والمخلصين لقضيتهم حلماً بالنسبة لي، وقد تحقق بعد سنوات طويلة من المثابرة والتحدي، وأنا اليوم أقاتل بجانبهم".

ويكمل حديثه في حب فلسطين: "هي وقف إسلامي، واجب على كل مسلم أن يدافع عنه، وما أقوم به على الحدود هي مشاركة في الكفاح والألم الذي خلفهم الحصار الإسرائيلي الظالم (متواصل منذ 2006)".

ويشير المتضامن الإندونيسي الذي دخل غزة عبر معبر رفح البري قبل أعوام، إلى أن فلسطين وشعبها يتعرضون لمذابح من قبل المحتل الإسرائيلي، معتبراً أن "مسيرات العودة صرخة ألم في وجه الظلم يجب أن تدوم وتكبر ولا تتوقف".

ويجايا على حدود غزة

 

وقال إن المظاهرات الثائرة على حدود القطاع "حق بسيط من حقوق أهل فلسطين للدفاع عن وطنهم الذي يتعرض لأبشع وأخطر الحروب من قبل الاحتلال الإسرائيلي"، داعياً الأمتين العربية والإسلامية إلى شد الرحال نحوها والقتال بجانب أبنائها.

وختم حديثه بالقول: "لا يهمنا الموت في سبيل الدفاع عن فلسطين، ولا حتى رصاص ولا قنابل جيش الاحتلال، ففلسطين تستحق منا كل غالٍ ونفيس، وشعبها تجوز له التضحية والفداء لنيل حريته وعودة كرامته".

المتضامن الإندونيسي ليس وحده من حمل همَّ فلسطين ودافع عن قضيتها وشارك الغزيين في إحياء فعاليات مسيرات العودة الكبرى الساخنة بين عجلات "الكاوشوك" المشتعلة وقنابل الغاز والرصاص التي يطلقها الاحتلال فوق رؤوس المتظاهرين.

فقد شهدت الحدود مشاركة العشرات من المتضامين الأجانب ومن جنسيات مختلفة: مغربية، وإسبانية، وماليزية، وفرنسية، وتركية، فيما تشتكي من قلة المشاركين من دول عربية وخاصة الخليجية.

إنجاز سياسي كبير

وشكّل انتقال حراك مسيرات العودة إلى الخارج مكسباً سياسياً ودبلوماسياً هاماً للفلسطينيين، ويمكن تفسير ذلك بالجهود التي يبذلها الجانب الإسرائيلي لوقف هذا الحراك الذي هز من صورة "إسرائيل" أمام وسائل الإعلام الأجنبية، التي نقلت منذ اليوم الأول صور المتظاهرين السلميين وهم يتعرضون للقتل المباشر من القناصة الإسرائيليين.

القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) المقيم في الخارج، رأفت مرة، أشاد بمشاركة الوفود الأجنبية في نضالها بجانب أهل غزة على حدود القطاع ودفاعهم عن الحقوق والقضية الفلسطينية.

وفي تصريحات لـ"الخليج أونلاين" أكد "مرة" أن مشاركة الوفود الأجنبية عبر نشطاء ومتضامنين مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في مسيرات العودة، هي مشاركة تخدم الأهداف التي تسعى مسيرات العودة لتحقيقها، وأهمها التمسك بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وبحق العودة إلى الأراضي التي هجروا منها، وكسر الحصار وحرية الانتقال.

وأضاف القيادي في "حماس": "هذه المشاركة تساهم في نقل صوت الفلسطينيين إلى العالم ونقل الصورة الإنسانية في التعبير السلمي، والذي يقابله الاحتلال بأسلوب إرهابي وحشي يتمثل في تعمد القتل".

وفي ذات السياق، عد وكيل وزارة الخارجية السابق، محمود العجرمي، مشاركة الوفود الأجنبية في مسيرات العودة على حدود غزة "إنجازاً سياسياً كبيراً ومهماً".

 

ويقول العجرمي لـ"الخليج أونلاين": إن "هؤلاء المتضامنين على الحدود نقلوا الجرائم التي تُرتكب بحق المتظاهرين لشعوبهم ومسؤوليهم، وهو ما وضع "إسرائيل" وجيشها بموقف فاضح ومخزٍ، وشكل قوة غضب دولية كبيرة على الاحتلال خلال شهور قليلة من انطلاق مسيرات العودة".

ويضيف: "المتضامنون الأجانب ساندوا القضية الفلسطينية بشكل كبير ومتقدم، وشكلوا درعاً واقياً لحمايتهم من رصاص الاحتلال، ومن خلال وسائلهم الإعلامية المختلفة ناصروا القضية وجعلوها على سلم أوليات العالم الذي زاد من توهج الهبة الشعبية، وأصبحوا ورقة ضغط على حكوماتهم ضد إسرائيل".

ولفت وكيل وزارة الخارجية السابق إلى أن حضور ومشاركة المتضامنين الأجانب جعل مسيرات العودة "حدثاً مهماً يغزو كل وسائل الإعلام العربية والدولية،  وأجبر العديد من الدول على تغيير سياستها تجاه الفلسطينيين؛ بالاعتراف بحقوقهم، وقلب مواقفها الرسمية من إسرائيل".

الجدير ذكره أن مسيرات العودة أعلنت عن نفسها كأسلوب مقاومة سلمية في مواجهة الاحتلال على امتداد المناطق الشرقية لقطاع غزة المتاخمة للأراضي المحتلة عام 1948، قاطعة شوطاً زاد عمره على 10 أشهر، وسط إصرار شعبي واضح للاستمرار في فعالياتها حتى تحقيق أهدافها الوطنية التي انطلقت من أجلها.

ومنذ نهاية مارس الماضي، يشارك فلسطينيون في المسيرات السلمية، للمطالبة بعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها ورفع الحصار عن غزة، ويقمع الجيش الإسرائيلي تلك المسيرات حيث يطلق النار على المتظاهرين وقنابل الغاز، وهو ما أسفر عن استشهاد أكثر من مئتين وخمسين شخصاً وجرح الآلاف.