وقف الدعم المالي للانروا نتيجة مؤكدة لسياسة العداء الأمريكي للقضية الفلسطينية رامز مصطفى

القرار الذي أعلنته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، بوقف مساهماتها المالية لمنظمة الانروا ، يجب ألاّ يشكل مفاجئة للأوساط الفلسطينية . والقرار بحد ذاته هو نتيجة مؤكدة للسياق الطويل من السياسات الأمريكية التي جاهرت علنيةً في عدائها للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية ، منذ إعلان وعد بلفور المشؤوم عام 1917 ، آنذاك قال الرئيس الأمريكي " توماس ويلسن " في بيان وجهه إلى الشعب الأمريكي :- " أنا مقتنع بأن دول الحلفاء بالاتفاق مع حكومتها وشعبها قد اتفقت على أن ترسي في فلسطين أسس كومنولث يهودي " . وهكذا فعل كل من الرئيسين " فرانكلين روزفلت وهاري ترمان " في تأييدهما لإقامة دولة يهودية على الأرض الفلسطينية ، بل إنّ الرئيس الأمريكي " ترومان " ، وفور الإعلان عن قيام ما تسمى ب" دولة إسرائيل " في 14 أيار 1948 ، بادر وبعد عشر دقائق فقط إلى الاعتراف بها .

الإدارات الأمريكية وبتحريض متواصل من الكيان الصهيوني وأدوات ضغطه داخل الولايات المتحدة ، عملت جاهدة ومنذ زمن بعيد على التخلص من الانروا الشاهد الحي على نكبة الشعب الفلسطيني . فلجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي أعلنت في العام 1965 خفض ما تساهم به الولايات المتحدة في ميزانية وكالة الانروا بنسبة 5% ، سرعان ما ألحقته في العام 1966 بطلب عاجل إلى الأمم المتحدة ، يتضمن وقف تقديم المساعدات إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون تدريباً عسكرياً ، وشطب أسمائهم من قائمة الذين يحصلون على مساعدات من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ( الانروا ) .

بتقديري أن لا جدوى من مناقشة القرار الأمريكي ، من خلفية أنه يتسم بالشرعية أم لا ؟ ، والنقاش يجب أن يأخذ منحى أخر بعيداً عن الشجب والاستنكار لقرار وقف المساهمة المالية لوكالة الانروا ، بل في طرح سؤال يشكل محور النقاش ، هل نحن الفسطينيون بالمعنى الرسمي حقيقة كنا نجهل تلك السياسة العدائية المعلنة ضدنا وضد قضايا أمتنا ؟ ، أم ثمة رهان أن الوقت كفيل بتغير تلك السياسة ، طبقاً لما أقدم ويقدم عليه الكيان الصهيوني من سياسات وممارسات إجرامية بحق شعبنا وعلى كل الصعد والمستويات ؟ . ليس بتقديري أن الرسمية الفسطينية منذ ما قبل اتفاق " أوسلو " وهي منظمة التحرير كانت تجهل تلك السياسة العدائية للولايات المتحدة وإداراتها المتعاقبة ، ولو تصفحنا وقلبنا صفحات البرامج السياسية لمجمل الفصائل الفلسطينية لوجدنا أنها تتهم أمريكا وتوصفها دولة معادية سواء من خلفية فكرية وايديولوجية ، أو من خلفية دعمها واحتضانها وحمايتها للكيان الصهيوني ، ومنع مساءلته قانونياً وأخلاقياً عن كل جرائمة ومجازره التي ارتكبها ولا يزال بحق الشعب الفلسطيني . أما في الرهان على التغير والتأثير في السياسة الأمريكية ، فهي للأسف بلاهة سياسية افتقرت إلى التحليل المعمق لتلك العلاقة الغير مسبوقة في عالم العلاقات الدولية بين أمريكا و" إسرائيل " .

لمن لا يزال يعيش في أوهامه ، لابد من تذكيره بما صرح به المفكر والمنظر " زبيغنيو بريجنسكي " صاحب نظرية الهيمنة على العالم في كتابه " رقعة الشطرنج الكبرى " ، ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر بين عامي 1977 و 1981 ، في قوله " يجب على العرب أن يفهموا أن العلاقات الإسرائيلية ـ الأمريكية ، لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات العربية – الأمريكية ، لأن ما بين أمريكا وإسرائيل علاقات حميمة ، مبنية على التراث التاريخي ، والفاعلية التي تتعزز باستمرار من خلال النشاط السياسي لليهود الأمريكيين ، بينما العلاقات الأمريكية – العربية ، لا تحتوي على أي عامل من هذه العوامل " .

ما نحن عليه وفي تتمة النقاش أن الرسمية الفلسطينية سواء قيادة المنظمة ومن ثم السلطة هي المسؤولة عما وصلنا إليه ، لأن القرار الأمريكي وجملة المواقف الأمريكية ذات الصلة الهادفة أولاً إلى شطب ملف اللاجئين وإسقاط مفاعيل حق العودة ، بالاستناد إلى جملة من التنازلات التي أقدمت عليها تلك الرسمية ، وقد بدأتها منذ المفاوضات التي أفضت إلى اتفاقات " أوسلو " عام 1993 ، حين وافقت قيادة المنظمة آنذاك على تأجيل البحث في العناوين الإستراتيجية والحيوية في القضية الفلسطينية ومن جملتها ملف اللاجئين إلى مفاوضات ما سمي ب" الحل النهائي " بعد خمس سنوات على ذاك الاتفاق المشؤوم ، أي في العام 1998 ، ونحن في العام 2018 ولا شيء من قبيل ذلك قد حصل . وهنا وجدت الإدارة الأمريكية ضالتها المنشودة في التهرب من التجديد للقرار 194 المتعلق بعودة الفلسطينيين إلى ديارهم التي طردوا منها العام 1948 ، والحجة الأكذوبة أن التجديد للقرار يعتبر تدخلاً في المفاوضات بين الفلسطينيين و" الإسرائيليين " حول هذا العنوان ولا تريد التأثير على تلك المفاوضات سلباً أم إيجاباً .

مؤكد أن القرار سيترك من التداعيات الشيء الكثير ، أولاً على أداء الانروا وتقديماتها في التعليم والاستشفاء والإغاثة ، ومن ثم سيلقي بأحماله وأثقاله على الدول المضيفة للاجئين ، ولكن في المقلب الآخر فإن إدارة الرئيس ترامب بذلك قد كشفت عن ستر عورة السياسة الأمريكية وتوجهاتها بشكل لم يعد مقبول معها الإبقاء على الرهانات البائسة ، والاستمرار في سياسة الهروب نحو الأمام ، التي ينتهجها البعض في الساحة الفلسطينية ، مما أفسح ويفسح في المجال أمام الإدارة الأمريكية وحكومة الكيان " الإسرائيلي " من الطحن في القضية وعناوينها الوطنية ، من خلال جملة القرارات والإجراءات الآخذة في التطبيقات العملية لما يسمى ب" صفقة القرن " .