الكونفدرالية الاردنية ـ الفلسطينية ... د. انيس فوزي قاسم

-

الكونفدرالية الاردنية ـ الفلسطينية ... د. انيس فوزي قاسم وردت مؤخراً تقارير صحفية عن اعادة طرح فكرة انشاء كونفدرالية اردنية فلسطينية وذلك على ضوء قبول فلسطين دولة غير عضو في الامم المتحدة، واستقبال الرئيس محمود عباس في عمان، عند عودته من اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، استقبال الرؤساء وذلك بكامل البروتوكول المعدّ لهذه المناسبات، ثم زيارة الملك عبد الله الثاني الى رام الله بعد ذلك مباشرة. واضيف الى هذه الحراكات ما نشرته جريدة القدس العربي عن ان الرئيس عباس أوعز لمستشاريه بالتحضير للخطوة التالية بين الاردن وفلسطين على اسس كونفدرالية. ومع كل ذلك، لم يصدر اي بيان رسمي عن ايٍ من الطرفين حول هذا الموضوع مما يبقيه في دائرة الحوار غير الرسمي والنشاط الصحفي. ان طرح موضوع الكونفدرالية، جدير بالاهتمام من الناحيتين الاردنية والفلسطينية، لأن هذه الفكرة قديمة، وتتجدد بين الحين والآخر، ومن الضروري خلق وعي واهتمام حولها لما قد تثيره من شكوك واحياناً سموم بين أقرب طرفين للقضية الفلسطينية. من الناحية النظرية، لابدّ من الاشارة الى ان الكونفدرالية لا تقوم الاّ بين دولتين تتمتعان بالسيادة والاستقلال، بحيث تحتفظ كل دولة بشكلها القانوني وهيئاتها الدستورية ووضعها الدولي، انما تتنازل كل منهما عن بعض سيادتها لأجل تمتين علاقاتهما او تدعيم موقفهما في مواجهة ضغوط خارجية او مؤثرات أجنبية. ولا توجد صيغة محددة لهذه الكونفدرالية، فهناك كونفدراليات تتقارب اكثر من كونفدراليات اخرى، وهناك نماذج عديدة لهذا الشكل من التعاون الدولي. وتجدر الاشارة الى ان سويسرا مثلاً دوله "اتحادية" الاّ ان اسمها الرسمي ’الكونفدرالية السويسرية’، وهذا دليل على انه لا توجد وصفة جاهزة لما يسمى بالكونفدرالية. اما الافكار السابقة لفكرة الكونفدرالية بين الاردن وفلسطين ربما كانت تعود اولاً- لما طرحه المرحوم الملك حسين لما اسماه ’المملكة العربية المتحدة’ في اوائل السبعينيات، حيث كان التصور ان تتم الكونفدرالية بين قطرين، الاّ ان الفكرة لم تكن دعماً لمشروع وطني او قومي، فماتت في المهد. حيث ان الفلسطينيين كانوا ينزعون الى المقاومة والتحرير بينما كان النظام الاردني يقصد الى الوصول سلمياً الى تحرير الضفة الغربية. فكان الخلاف عميقاً بين المنهجين. في العام 1982، طرح الرئيس الاميركي رونالد ريغان خطته التي يمكن تصنيفها كفكرة كونفدرالية بين سلطة الحكم الذاتي، التي كان من المقرر انشاؤها طبقاً لاتفاقية كامب ديفيد في الاراضي الفلسطينية، وبين الدولة الاردنية. وجاء جورج شولتز، وزير الخارجية الاميركي، مكرراً اقتراح الرئيس الاميركي. وفي العام 1985 وقع الاردن مع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية لإقامة اتحاد كونفدرالي بينهما، ولكن ماتت هذه الاتفاقية على ضوء الخلافات بين الطرفين حول استراتيجية تحرير الضفة الغربية. ويجب التذكير بأن حمّى اقتراحات الكونفدرالية قد تسارعت في الفترة التي كانت منظمة التحرير تعاني فيها من الضعف بعد خروجها من بيروت نتيجة الاجتياح الاسرائيلي. وتجلّى ضعف منظمة التحرير حين كانت الولايات المتحدة تتخذ اجراءات لعقد مؤتمر مدريد، حيث تبّنت الولايات المتحدة الشروط الإسرائيلية في عدم وجود ممثلين لمنظمة التحرير في مؤتمر مدريد وعدم وجود فلسطينيين يمثلون القدس او الشتات ضمن اعضاء الوفد الفلسطيني، واشترطت اسرائيل ان لا يكون الوفد الفلسطيني مستقلاً عن الوفد الاردني. وعقد مؤتمر مدريد في اكتوبر 1991 بحضور وفد فلسطيني اردني مشترك. ثم انفسخ الوفدان في واشنطن بإصرار من منظمة التحرير، واصبح هناك مسار اردني وآخر فلسطيني في مفاوضات واشنطن. ثم وصلنا في العام 1993 الى نفق اوسلو الذي دخلت فيه منظمة التحرير ولازالت لا ترى ضوءاً في نهاية النفق. واخيراً، بدأ الحديث عن الكونفدرالية في ظلّ اجواء اكثر ايجابية من أي وقت آخر، ذلك انها طرحت الان بعد ان حازت منظمة التحرير على وضع "دولة" غير عضو في المنظمة الدولية. ان هذا انجاز هام من النواحي القانونية والديبلوماسية، الاّ انه انجاز محدود، بخلاف ما تتوهم قيادة منظمة التحرير. ان الجانب الهام لهذا الانجاز هو امكانية هذه "الدولة" في توقيع الاتفاقيات الدولية ولاسيما تلك التي لها تأثيرات على الوضع الفلسطيني في الاراضي المحتلة، اذ أن بإمكان هذه "الدولة" توقيع اتفاقيات جنيف الاربع للعام 1949، ولاسيما الاتفاقية الثالثة الخاصة بمعاملة الاسرى والمعتقلين واعتبارهم "اسرى حرب" مما يمنع محاكمتهم، بينما تعاملهم (اسرائيل) على اساس ارتكابهم جرائم امنية، وكذلك التوقيع على الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية السكان المدنيين وهذا مدخل جيد للطعن في الاستيطان وهدم البيوت والكبائر الاخرى التي ترتكبها (اسرائيل)، كما قد تتمكن "الدولة" من التوقيع على النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية والتي تستطيع بموجبها "دولة فلسطين" ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين يرتكبون جرائم حرب "يوميا." وهناك الاتفاقيات الخاصة بحقوق الانسان ومكافحة التمييز العنصري والتمييز ضد المرأة والاتفاقية الدولية الخاصة بالطفل. وجميع هذه الاتفاقيات تمكّن دولة فلسطين من فضح الاحتلال وملاحقته جنائياً، وهذه جوانب ايجابية وذات فائدة عملية هامة. ومع هذه الايجابيات، يجب ان لا يدخل في روع احد ان بإمكان دولة فلسطين ان تمارس سلطات الدولة كاملة السيادة، فهي دولة مازالت منقوصة السيادة. فلا تستطيع ان تصدر قانون جنسية مثلاً- تنظم بموجبه جنسية السكان المقيمين فيها، بلا الفلسطينيين المقيمين في الشتات (دون انتقاص الجوانب السلبية والاثار الخطيرة لمثل هذه العملية)، ولا تستطيع تشريع قوانين تتعلق بحق العبور الى الدولة الفلسطينية وتحديد حق الإقامة فيها، ومحاكمة الاسرائيليين الذين يخرقون قانونها المدني او التجاري او الجزائي، فهي بلا ولاية جغرافية ولا تسيطر على معابرها مع العالم الخارجي. ومن أهم النواقص في الجوانب السلبية لهذه "الدوله" هو عدم قدرتها على الدخول في مفاوضات مع الحكومة الاردنية لوضع ترتيبات الكونفدرالية، ذلك ان هذه الترتيبات، ومهما كان شكل ومحتوى هذه الكونفدرالية، تتعلق بأمور سيادية تقع في صلب الاعمال السيادية المتعلقة بالدولة ذات السيادة. وعلى سبيل الجدال، هل تستطيع سلطة الدولة الجديدة ان تقرر في موضوع الانضمام الى الكونفدرالية دون استفتاء الشعب الفلسطيني او التشاور مع مؤسساته الدستورية؟ فهل يمكن استفتاء شعب ثلثه تقريباً تحت الاحتلال والباقي في الشتات؟ واذا امكن الاستفتاء، فمن هو "الفلسطيني" الذي يحق له التصويت ايجاباً وسلباً؟ وهل هناك مؤسسات دستورية تتحكم وتحكم "الشعب الفلسطيني"؟ فهل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ذات صلاحية وفعالية في غياب مجلس وطني؟ حتى ان استمرار الرئيس محمود عباس في قيادة اللجنة التنفيذية مطعون في شرعيته. فهل نحن بصدد مؤتمر اريحا جديد؟! وهل يمنح مثل هذا المؤتمر الشرعية لإقامة كونفدرالية؟ من الواضح، ان الاجهزة التي سوف تقود اية مفاوضات مع الحكومة الاردنية في شأن الكونفدرالية لا تمتلك السيادة او السلطة او الصلاحية او التفويض. ومن هنا نصل الى اهم مقومات اية اتفاقية دولية، وهي صلاحية الطرف المفاوض واهليته القانونية للتوقيع على أية التزامات، والطرف الفلسطيني لا يملك هذه الصلاحية ولا تلك الاهلية. ثم ننتقل الآن الى ما هي الفوائد التي سوف تجنيها الدولة الاردنية والدولة الفلسطينية من هذه الكونفدرالية؟ وهل هذه فكرة تصبّ في مصلحة البلدين، وان كان الجواب ايجاباً، فهل هي في مصلحة الشعبين ام في مصلحة النظامين؟ لا جدال في ان الاردن هي الرئة التي تتنفس منها وبها "الدولة الفلسطينية"، وهذا وضع تاريخي متأصل في الزمان والمكان وازداد هذا الوضع الحاحاً بعد انسلاخ الجزء الاكبر من فلسطين واحتلاله من قبل الغزو الصهيوني. ان القرار التاريخي لوحدة الضفتين قد عبّر بوعي وادراك استراتيجيين، عن هذا الواقع، إذ ورد فيه: واستناداً الى حق تقرير المصير، والى واقع ضفتي (الاردن) الشرقية والغربية ووحدتهما القومية والطبيعية والجغرافية وضرورات مصالحهما المشتركة ومجالهما الحيوي، يقرر مجلس الامة.... وهذا يؤكد ان وضعاً ما، قد يكون كونفدرالية او فيدرالية او وحدة اندماجية، يفرض نفسه على الشعبين وعلى النظامين فرضاً، فالضرورات والمصالح المشتركة هي "المجال الحيوي" لكلا الطرفين. ان هذا الوجه المضيء للمجال الحيوي للشعبين، لا يغطي، ويجب ان لا يغطي، على حقيقة مؤداها ان طرح فكرة الكونفدرالية كان، تاريخياً، مرتبطاً بالمصالح الاسرائيلية وخدمتها اولاً وآخراً. ودون الدخول في متاهات الماضي، فان الوضع الحالي القائم في الاراضي الفلسطينية المحتلة، والجشع الكولونيالي المتزايد لدولة المستوطنين، والصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني المقاوم بعناد شديد، قد جعل (اسرائيل) في وضع من بلع منجلاً، فلا هي قادرة على بلعه، ولا تقدر على اخراجه من حلقها. فالدولة اليهودية تتحول رويداً رويداً الى دولة احادية او ثنائية القومية، وفي الحالين نهاية الحلم الصهيوني في اقامة دولة الشعب اليهودي. ومن هنا يجب ان لا نصاب بالدهشة اذا ما قلنا على سبيل الحدس- ان ما طرح اخيراً من كونفدرالية اردنية- فلسطينية قد يكون تسريباً اسرائيلياً لداخل مؤسسات القرار الفلسطيني، سيما وان الاخ ابو مازن ما زال يتلوّى عطشاً للمفاوضات مع (اسرائيل)، وقد يكون هذا التسريب هو المنفذ الذي يدخل عبره ابو مازن للمفاوضات. و(لإسرائيل) مصالح عديدة في اقتراح الكونفدرالية، ليس أقلها ان ذلك سوف يعطي مشروعية للمستوطنات، وان اجهزة الأمن الاردنية هي التي ستتولى الامن في المناطق المحتلة، وهي اجهزة اكثر مصداقية وكفاية لدى الاسرائيليين من الاجهزة الفلسطينية، وان عودة اللاجئين سوف تصبح من بقايا التاريخ، ويظل نهر الاردن هو الحدود الامنة (لإسرائيل)، وتتخلص (اسرائيل) من اعباء الاحتلال القانونية والادانات المستمرة من المجتمع الدولي. طبعاً، ان جميع هذه المنافع التي تصب في الخانة الاسرائيلية لا تنطوي على اقرار ضمني من ان الاردن موافق عليها، بل لابدّ وان له موقفاً من العديد من هذه القضايا. اذا كان ما ورد اعلاه هو خطاب على المستوى الرسمي، فإن خطاب الجماهير على ضفتي النهر سيكون مختلفاً. ذلك ان تمرير هذا المشروع لا ينطوي على فوائد مادية او سياسية او قانونية او اجتماعية. ان النخب الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني في الضفتين، سوف تدرك ان هذا مشروع اساسه تخفيف اعباء الاحتلال ونقل الثقل على كاهل الاردن، لاسيما وانه مشروع تفوح منه رائحة ’الوطن البديل’، لأن الكونفدرالية سوف تقضي على حق العودة، وسوف تفتح حركة الانتقال والمرور شرقاً تحت تأثير الضغوط المعاشية التي سوف تمارسها (اسرائيل) على فلسطينيي الاراضي المحتلة. كما ان الفوائد التجارية بين ضفتي النهر ستكون محدودة للغاية، ذلك ان اقتصاد الاراضي المحتلة يعتبر أهم سوق خارجي للتجارة الاسرائيلية، وسوف لا تفرّط (اسرائيل) بهذه السوق مما يعني ان التجارة بين طرفي الكونفدرالية سوف لا يعود بفوائد مجزية عليهما، بل تظل الفائدة للجانب الاسرائيلي. ويظل السؤال معلقاً: ما هي الفوائد التي تعود على الاردن وفلسطين ضمن الظروف القائمة- التي تجلبها الكونفدرالية للطرفين؟ وأية حقوق او مصالح سوف تتم صيانتها او تأكيدها بهذا الترتيب؟. الجواب: لا شيء، ولكن لكل مجتهد نصيب!!   دائرة شؤون اللاجئين – وكالات أنباء 23/1/2013

التعليقات