اللاجئون الفلسطينيون: مسلسل التفكيك من أوسلو إلى ترامب عماد عفانة

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

لعب اللاجئون الفلسطينيون دورا مركزيا وهاما على امتداد مراحل الصراع مع المحتل، وكان دورهم بارزاً في بناء وتشكيل منظمة التحرير وهيكلتها وتنظيمها، كما كان دورهم مركزيا في مسار حركة التحرر الوطنية وفي الكفاح المسلح في الأردن ولبنان ومساهمتهم في تطوير وبناء مجموعات فدائية داخل فلسطين المحتلة، وفتح علاقات وثيقة مع قوى التحرر العالمية كان لها بالغ التأثير على أوضاع وظروف الفلسطينيين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ثم جاءت اتفاقية أوسلو لتنقلب على دور وأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في معادلة الصراع مع العدو بشكل كامل، حيث غيبتهم م.ت.ف بعد توقيع أوسلو قسرا عن المشهد السياسي، وهمشت تأثيرهم  على جميع المستويات النضالية داخل الأراضي المحتلة وفي المخيمات خارج فلسطين.

مسلسل إخراج اللاجئين من المعادلة

انطلق قطار النضال الفلسطيني في موجات ثورية منذ عشرينيات القرن الماضي، حتى تأسيس النظام العربي الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1969 لتحتوي الجهد الثوري الفلسطيني لتحرير فلسطين تحت مظلتها، حيث انطلق بعد ذلك  قطار الانحدار والتنازلات من تحرير كامل التراب الفلسطيني وعودة اللاجئين الى بيوتهم وديارهم التي هجروا منها، الى قبول دولة في حدود 1967، حيث دشن تصريح لصلاح خلف عام 1990 لمجلة السياسة الخارجية الأميركية بأن العودة الكاملة للاجئين لم تكن ممكنة، خاصة بعد تدمير العدو كليا لأكثر من 400 قرية في ما بين 1948-1949، ولن يقبل الكثير من الفلسطينيين العيش تحت حكم العدو في حالة وجدت دولة فلسطينية كبديل، وحث أبو إياد العدو على قبول مبدأ حق العودة والتعويض مع ترك تفاصيل هذه العودة مفتوحة للتفاوض.

وكانت منظمة التحرير اعتمدت قبل ذلك مفهوم " التفاوض" كأساس للمرحلة الجديدة منذ انتفاضة 1987، حيث اقتصر مشروعها لتحرير فلسطين على إقامة دولة فلسطينية في أي جزء من المناطق المحتلة التي ينسحب منها العدو، وهو ما أصبح يعرف لاحقا بإقامة دولة على أراضي الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، منزوعة السلاح الى جانب كيان العدو.

حتى أن إعلان الاستقلال سنة 1988، لم يذكر حق العودة ولم يشير لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، واكتفي بالإشارة إلى تأييد " تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة.

 ثم أعاد ياسر عرفات تفسير القرار 194 أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بشكل انحداري تفريطي خطير قائلا: بأن القرار 194 يشترط أيضاً  التعويض كبديل عن حق العودة.

رغم أن اتفاقيات التسوية بين الفلسطينيين والصهاينة استندت إلى قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 ، اللذين أشارا أساساً إلى ضرورة تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، فلم تعالج اتفاقات أوسلو قضية اللاجئين بشكل مباشر، كما لم تؤثر على وضعهم. حيث تم تأجيل التفاوض بشأنهم وضمهم الى ما بات يسمى بقضايا الوضع الدائم: القدس والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع دول مجاورة أخرى وقضايا أخرى ذات الاهتمام المشترك.

وعمدت اتفاقيات اوسلو طيلة السنوات الماضية إلي تحويل قضية اللاجئين داخل التجمعات الفلسطينية من النقاش حول حق العودة والتعويض إلي الانشغال في زواريب التفصيلات السياسية والإنسانية لقضية اللاجئين.

تفكيك حق العودة

اعترف رئيس السلطة محمود عباس على هامش قمة أنابوليس 2007، بأن العودة الجماعية للاجئين إلى "إسرائيل" من شأنها أن تدمر البلاد؛ وبالتالي تتعلق العودة إلى فلسطين بشكل أساسي بأراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية التي ستقتصر على الضفة الغربية و قطاع غزة والعيش بسلام مع "إسرائيل.

 وكرر ذلك في مناسبات عدة وبطرق مختلفة في لقاءاته مع الوفود الصهيونية قائلا "أنا أعلم مدى خشيتكم وأنا أريد أن أوضح الأمور، أنا أستطيع أن أضمن لكم عشية نهاية ناجحة للمفاوضات، الالتزام بإنهاء كل الدعاوى ولن نطالب بالعودة إلى يافا وعكا وصفد".

ثم قال أمام جلسة افتتاح ما يسمى بمنتدى الحرية والسلام الفلسطيني في مقر السلطة في مدينة رام الله 2019 في  الذي ضم شخصيات فلسطينية و"إسرائيلية، "نحن لا نسعى ولن نعمل على إغراق إسرائيل بالملايين.. هذا هراء.. نحن نعمل من أجل مستقبل شباب "إسرائيل" ونقدر حساسية "إسرائيل" تجاه الأمن، وخوفها من المستقبل والتطرف.. ونقبل بحلف الناتو ليقوم بمهمة تأمين الأمن للطرفين، ونتمسك بكل اتفاقيتنا الأمنية لمواجهة خطر الإرهاب".

في هذه الاثناء عملت السلطة الوظيفية على تطبيع وضع اللاجئين في فلسطين، من خلال اشراكهم في الانتخابات العامة عام 1996، كما استمرت في موقفها التوفيقي فيما يتعلق بحق العودة لصالح إقامة دولة فلسطينية.

وفيما لم يكشف المفاوض الفلسطيني رسمياً عما تم التوصل إليه من تفاهمات في قمة كامب ديفيد الثانية 2000، فقد سرب العدو معظم هذه التفاهمات التي أكدت وجود نقاشات من حيث المبدأ على تجزئة مسألة اللاجئين بعودة أعداد معينة ومحدودة من اللاجئين إلى داخل كيان العدو في إطار جمع الشمل وليس في إطار اعتراف العدو بحق اللاجئين في العودة، وعبر استيعاب الدولة الفلسطينية لأعداد أخرى، وفي الحالتين ضمن خطة يستغرق تنفيذها عشرات السنوات، مقابل إعادة تهجير الباقين أو توطينهم في أماكن إقامتهم الحالية.

اللاجئون الفلسطينيون في بلاد العرب

وجد اللاجئون أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه بفرض مخططات إعادة التوطين عليهم، بغض النظر عن التحديات السياسية والمالية التي تترتب على تلك المخططات، الأمر الذي  دفع البلدان المضيفة لتشديد موقفها من قضية اللاجئين الفلسطينيين. واعتمدت جامعة الدول العربية قراراً في آذار/مارس 2007 يشدد على المشاركة النشطة للأمم المتحدة في عملية اتفاق الوضع الدائم من خلال الأدوار المتزايدة للأونروا ولجنة التوفيق.

ثم رفضت البلدان المضيفة بشكل قاطع الخطط الغربية غير الرسمية التي كانت تهدف إلى إعادة التوطين الدائم للجزء الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين في أماكن إقاماتهم آنذاك (ما عدا لبنان) على الرغم من الحزم المالية الكبيرة المقترحة.

تلاها إبطاء المحادثات متعددة الأطراف، حيث أصبحت اجتماعات متعددة الأطراف بشأن اللاجئين تتم مرة كل عام بدل مرة كل 6 أشهر، ثم تعطلت الاجتماعات بشكل تام لاحقاً.

ثمانية اجتماعات عقدت مجموعة العمل الخاصة باللاجئين مكتملة الأعضاء ما بين 1992-1995 قبل ان تدعو جامعة الدول العربية عام 1997 لمقاطعة المفاوضات متعددة الأطراف كخطوة احتجاج على السياسات التي ينتهجها نتنياهو، وبناءً عليه لم تعقد أي جلسة مكتملة الأعضاء منذ ذلك الحين.

 مجموعة العمل استمرت على مستوى الاجتماعات المنعقدة خلال الجلسات السبع، حيث تبنت اللجنة خلال اجتماع في بئر السبع جدول عمل يدور حول أربعة موضوعات: تعريف النازحين، أعدادهم، كيفية العودة حيث رفض العدو محاولة إضافة جدول زمني إلى جدول العمل، حيث ساد خلاف حاد حول تعريف النازحين.

كما نصت اتفاقية كامب ديفيد 2000 بشأن اللاجئين على:

اتخاذ مصر وإسرائيل والأردن وسلطة الحكم الذاتي خلال الفترة الانتقالية الإجراءات الضرورية لمنع الاضطرابات وأوجه التمزق، وتقرر الأطراف صلاحيات السماح بعودة الأفراد الذين طردوا من الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967

على أن تعمل مصر وإسرائيل مع بعضهما ومع الأطراف الأخرى المهتمة لوضع إجراءات متفق عليها للتنفيذ العاجل والعادل والدائم لحل مشكلة اللاجئين.

عود الى بدء

خطة ترامب في عام 2019 قامت على تفكيك وضعية اللاجئ الفلسطيني القانونية، وإنهاء جميع المطالبات المتعلّقة بالعودة أو استيعاب اللاجئين الفلسطينيين في كيان العدو، لصالح دمج الغالبية العظمى من اللاجئين في البلدان المضيفة الحالية، واستيعاب جزء منهم في دولة فلسطين المستقبلية ضمن قيود محددة، وتوطين 50 ألف لاجئ، على مدى عشر سنوات، في البلدان التي تنتمي إلى منظمة التعاون الإسلامي.

 كما حدّدت الرؤية صندوق تعويضات للاجئين، ووعدت بالسعي لجمع أموال الصندوق وسيُعنى بتقديم تعويضات للاجئين الفلسطينيين على أن يُدار بالتعاون بين دولة فلسطين والولايات المتحدة، واعتبرت أنّ الاقتراحات السابقة التي طُرحت وطالبت بأن توافق إسرائيل على عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتعويضات بعشرات المليارات من الدولارات ليست واقعية.

 وترى خطة ترامب أنّ حلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين تكمن في تفكيك جميع المخيّمات وبناء مساكن دائمة بدلاً منها، وإنهاء وجود "الأونروا" وتحويل مسؤولياتها إلى الحكومات المعنية.

توصل فريق التفاوض الفلسطيني في مقترحاتهم التفاوضية مع امريكا والكيان، إلى حلول تقضي بعودة رمزية للاجئين ما ساهم في إضعاف المكانة القانونية للاجئ الفلسطيني. ما شجع ترامب على طرح رؤيته التي تدمر ملف اللاجئين، ففي اجتماع لكبير المفاوضين صائب عريقات مع المبعوث الأميركي جورج ميتشل، قال عريقات إنّ "على الفلسطينيين أن يفهموا أن خمسة ملايين لاجئ لن يعودوا جميعهم".

خطط نتنياهو لضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، لن تسمح بإنشاء دولة فلسطينية مستقلّة ذات سيادة تستوعب هذا العدد الرمزي أيضاً، الأمر الذي يدفع الفلسطينيون للتمسك بكون حق العودة والتعويض حقا فرديا وحقا جماعيا ولا يمكن التفاوض عليه أو التنازل عنه ولا يسقط بالتقادم، ما يفرض على قيادة السلطة اخراج حق العودة والتعويض من أي مفاوضات أو تسويات مقبلة.

التعليقات

Send comment