الأونروا وحريق النصيرات ... مسؤولية الغياب عماد عفانة

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

عشرون شهيد سقطوا حتى الآن ضحية حريق النصيرات في 5 آذار/مارس 2020م، والذي شكل فاجعة غير مسبوقة في المخيم الذي يبلغ تعداده نحو 120 ألف لاجئ.

بعيدا عن نتائج التحقيق الذي ما زال مستمرا، والذي أشار بأصابع الاتهام الى عدد من الجهات كالبلدية والدفاع المدني وغيرها، إلا انه لم يشير إلى الأونروا، المسؤول الأول والأخير عن المخيم.

فمن يتحمل المسؤولية عن اعفاء الأونروا من مسؤولياتها عن حياة وأمن ورفاهية سكان المخيم..!!

مع بالغ الأسف فقد ساهم اللاجئون بأنفسهم في اعفاء الأونروا من دورها المنوط بها طبقا للمواثيق الدولية كمنظمة اغاثة وتشغيل للاجئين حتى عودتهم الى مدنهم وقراهم التي هجوا منها.

اللاجئيون في مخيم النصيرات شكلوا في العام 1977م  لجنة محلية تولت مهمة إنشاء شبكة كهرباء بكامل أنحاء مخيم النصيرات، وكانت تقوم بأعمال النظافة بالتعاون مع الوكالة، وتم إمدادها بشبكة مياه أيضا عام 1980م، واستمرت أعمال اللجنة حتى أكتوبر عام 1987م حيث تحولت إلى مجلس قروي عمل بإشراف الاحتلال والتعاون معه، رغم موقف اهالي المخيم والقوى الوطنية في قطاع غزة و قيادة م ت ف من ذلك.

وفي العام 1996م  بعد قدوم السلطة الفلسطينية صدر مرسوم رئاسي بتحويل  المجلس القروي إلى مجلس بلدي يتبع لوزارة الحكم المحلي، محتفظا بأقطاب الجهاز التنفيذي التابع للبلدية الذين عملوا بإشراف الاحتلال.

هذا المجلس تولى المسؤولية الخدماتية عن المخيمات بعدما كانت "الأونروا" تتولى معظم المسؤوليات الخدماتية فيها، فتم إنهاء دور "الأونروا" في مجالات النظافة والبنى التحتية والمياه داخل المخيمات في قطاع غزة، وهو ما تلاقى مع تقليصات متتابعة لخدمات الأونروا وموازناتها في القطاع، ما أعطى انطباع بوجود نوايا لتصفية هذا الدور آنذاك.

يصرخ اللاجئون ليل نهار بمطاللبة الأونروا بالقيام بمسؤولياتها حيال تشغيل واغاثة اللاجئين، ثم يقوم اللاجئون بأنفسهم باجراءات غير مبررة غابت عنها الرؤية والبعد السياسي والوطني تعفي الأونروا من مسؤولياتها عبر تشكيل لجنة محلية ثم مجلس بلدي.

يصرخ اللاجئون بعلو أصواتهم رفضا للتوطين، ثم تقوم السلطة الفلسطينية ومن أجل اصباغ صفة الدولة على مؤسساتها أمام العالم، تقوم بترسيم وتشريع لجنة محلية لتكون مجلس بلدي يتبع لاحدى وزارانها- الحكم المحلي- لتصبح عوضا عن الأونروا مسؤولة عن المخيمات التي يسعى البعض ولأغراض استثمارية مصلحية ضيقة بتمدين هذه المخيمات.

السلطة الفلسطينية التي قامت في العام 1994 كحل مرحلي انشغلت بتظهير ما أمكنها من مواصفات الدولة السيدة على مواطنيها، متناسية أن أكثر من 70 %من سكان القطاع هم لاجئون ذوو حقوق لدى الأونروا، وأن التجمعات الأخرى هي فعليا مخيمات لاجئين دون أن تحمل المسمى رسميا، تجمعات سكانية كانت ثمرة محاولات الاحتلال تفريغ المخيمات عبر اقامة مشاريع اسكانية خارج المخيمات، هذا المسار لدى السلطة الفلسطينية هو ما قاد لترسيم المجالس البلدية والقروية الموروثة من التركة الاحتلالية للمخيمات، بل والالتزام بتحمل صلاحيات ومهام وواجبات خاصة "بالأونروا".

إسقاط المظاهر المدينية على واقع و جغرافيا وديموغرافيا مخيم النصيرات، دون أدنى اعتبار لمخاطر هذه العملية المصطنعة والتي أحدثت ضغطا على بنية المخيم، كما أسهمت بالاضرار بالوقائع الحياتية والاقتصادية لسكان المخيم، و أخلت بمنظومته الاقتصادية التقليدية التي تعتمد على الورش الصغرى، والتبادلية البسيطة بين السكان و فاقمت من أوجه المعاناة الاقتصادية والبطالة في ظل الحصار، أحد أهم الأسباب الخفية عن فاجعة النصيرات.

لكن ما سبب هذا الاختلال في الفهم والتطبيق.؟

في محاولة لتعزيز مصادر الجباية اعتمدت البلدية على استدارج مشاريع استثمارية محلية استهلاكية غير منتجة أضرت بسكان المخيم، مثل افتتاح سوق مركزي وكراج مركزي ومول تجاري كإنجاز اقتصادي يخدم المخيم، رغم التأثيرات السلبية على أصحاب المحلات الصغيرة من أبناء المخيم وعوائله.

وللتعرف على الخلل في الأولويات ليس لدى البلدية بل ولدى وزارة الحكم المحلي، فلنلقي نظرة على خطة التنمية المحلية لمدينة النصيرات 2018-2021، حيث اعتمدت الخطة تطوير شبكة الطرق كهدف أساسي ضمن خطة التطوير المحلي بموازنة تقارب 12 مليون دولار، فيما تم قصر موازنة تعزيز القدرات لمواجهة الطوارئ والكوارث على 2،5 دولار فقط، وعلى النحو ذاته يمكن ملاحظة غياب أي بنود خاصة بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية والقانونية في ظل الحصار، فحصة هؤلاء في الخطة المذكورة من الموازنات صفر كبير.

وعليه هل تكون بلدية النصيرات وحدها المسؤول عن هذه الفاجعة التي تشابه مقدماتها واقعا موجودا فعلا في عدد  من  المخيمات الأخرى والتي تنذر بوقوع فواجع أخرى قد تختلف فقط في أعداد الضحايا.

أم أن البلدية تقاد بسذاجة وظفتها مجموعة من أصحاب المصالح واستقطاب المؤسسات المجتمعية ذات مصادر التمويل المتشابهة، والتي حظيت بغطاء سياسي حكومي رسمي و فصائلي، ولم تواجه بالنقد اللازم حتى من البنى الحقوقية القائمة.

المخيمات ليست حالة متخلفة يجب تطويرها لتناسب بنى الحكم المحلي الفلسطيني، ليملأ البعض جيوبه ويرضى البعض الآخر غرور المظهريات الرسمية، بل تطوير المخيمات حق وواجب على السلطات الحاكمة بما يحفظ للمخيم واقعه وبعده الاجتماعي والسياسي، وبما لا يعفي الأونروا من مسؤولياتها التي رسمتها لها القرارات الأممية.

أما نأي "الأونروا" بنفسها عن الحدث، وتعمد الجهات الأخرى عدم الاشارة لها أوتحميلها مسؤولية الغياب، لا يمكن فهمه إلا في سياق مساع بداخلها للتخلي عن مسؤولياتها وواجباتها تجاه اللاجئين، واستفادتها من سلوك السلطات الرسمية الفلسطينية القائمة في تغطية وتمرير هذا المسعى، بما يخالف حقوق اللاجئين الفلسطينيين وواجبات ودور" الأونروا ا" ، ويهدد فرصة اللاجئين في تحصيل حياة آمنة في المخيمات دون المساس بحقهم في العودة لديارهم التي هجرو ا منها، فما محاولات تمدين المخيمات إلا وجه آخر من محاولات توطين اللاجئين.

فالأونروا تتحمل بغيابها عن واقع المخيم تخطيطا وتنظيما، تشغيلا واغاثة، المسؤولية عن فاجعة النصيرات شئنا ان أبينا، ما يفتح الباب واسعا أمام الجهات المعنية سياسية وحقوقية وقوى مجتمعية وقادة رأي، للقيام بحملة واسعة لمطالبة الأونروا بتحمل مسؤولياتها كاملة عن مخيمات اللاجئين، وفي ذات الوقت مطالبة السلطات الحاكمة بافساح المجال للأونروا للقيام بهذا الدور، وعدم مزاحمة الأونروا في المخيمات بهدف تحقيق أهداف استثمارية أو مصلحية ضيقة.

  • تمت الاستعانة بدراسة نشرها موقع بوابة اللاجئين حملت عنوان " تمدين المخيم".

التعليقات

Send comment