كيان العدو الصهيوني وجريمة هدم المنازل الفلسطينية راغدة عسيران

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

 

منذ سنوات، لم يمرّ يوم إلا وتقوم جرافات الاحتلال بهدم منزل أو أكثر يعود لفلسطينيين، في الضفة الغربية، بما فيها الأغوار ومدينة القدس، وفي النقب والمثلث، إضافة الى هدم المنازل بالمئات في قطاع غزة، خلال حروبها الوحشية على المقاومة. تعدّدت الأسباب المعلنة لعمليات الهدم، لكن المؤكد هو أنها تشرّد العائلات وتمنعها من الاستقرار في بلداتها ومدنها ووطنها.

لم يهدم أي كيان في العالم المنازل التي يبيت فيها الناس، كما يهدم كيان العدو الصهيوني، وقبله الحركة الصهيونية وقطعان مستوطنيها، منازل الفلسطينيين، حتى باتت عملية الهدم ملازمة للظاهرة الاستيطانية التهويدية في فلسطين.

قبل إقامة الكيان، توّلت العصابات الإرهابية مسؤولية نسف بيوت القرويين المتهمين بدعم المقاومة، كما كانت تفعل القوات البريطانية المستعمرة عندما كانت تجد أسلحة في أحد البيوت، لا سيما بعد اندلاع الثورة الفلسطينية في الثلاثينيات من القرن الماضي.

بعد إقامة الكيان الصهيوني عام 1948، سارع جيش العدو، المكوّن من العصابات الإرهابية، الى نسف المنازل في القرى التي هُجِّر أهلها منها، والتي لم يحتلها المستوطنون، لمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة اليها والى قراهم. لقد تم هدم منازل ومساجد ومدارس، وتدمير المئات من القرى في الجليل وفي وسط البلاد لكي تصبح فلسطين "أرض بلا شعب" تنتظر الغزاة القادمين من وراء البحار.

الهدم انتقاما من المقاومين

تعد المنازل التي هدمها الاحتلال بالمئات، انتقاما من المقاومين، الشهداء والأسرى، في الضفة الغربية وسابقا في قطاع غزة. وتشير الإحصائيات الى أنه جرى هدم أكثر من 250 منزلا لمقاومين خلال السنوات الثلاث الأولى من انتفاضة الأقصى، ما أسفر عن تشريد قرابة 395 عائلة فلسطينية مكوّنة من حوالي 2748 فردا، إضافة الى المنازل الواقعة في أحياء تم قصفها بالطيران والدبابات في مخيم جنين ونابلس وغيرها من المدن والمخيمات. وبعد فترة هدوء نسبية، استأنف الاحتلال عمليات هدم منازل المقاومين بكثافة بعد اندلاع انتفاضة القدس في تشرين الأول/اكتوبر 2015، والمستمرة الى اليوم، وكان آخرها هدم منزل المقاوم الأسير يزن مغامس في بيرزيت، وجدران منزل المقاوم الأسير وليد حناتشة، في بداية شهر آذار/مارس 2020.

وتعتبر عمليات هدم منازل المقاومين وعائلاتهم جريمة حرب، تضاف الى جرائم الحرب الأخرى التي يقترفها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني. لكن هذا التصنيف لم يلجم سلطات العدو عن الهدم وتشريد الناس، فكانت الحكومة الصهيونية قد اتخذت قرار هدم منازل المقاومين، كوسيلة لردع المقاومة، في بداية انتفاضة الأقصى. واعتبارها عقابا جماعيا أيضا، إذ تشرّد عائلة المقاوم التي يصل أحيانا عدد أفرادها الى 10 أشخاص، وتطال أحيانا البيوت المجاورة، حيث يضطر سكانها الى المغادرة.

رغم ارتفاع عدد المنازل المهدّمة من قبل الاحتلال بسبب المقاومة (48 منزلا بين2015 - 2018)، فشل العدو الصهيوني في ايقاف المقاومين من تنفيذ عمليات ضده، بل أثبتت السنوات الأخيرة أن العائلات المشردة وجدت خاضنة شعبية تلتف حولها وتدعمها وتساعدها على إعادة بناء منزلها، كما حصل مع عائلة الأسير المجاهد أحمد قنبع التي أعادت بناء المنزل قبل أن تقتحم قوات الاحتلال مدينة جنين وتعيد هدمه مرة أخرى، في شباط/فبراير 2020، وسط غضب شعبي كبير ومواجهات مع قوات الهدم، أسفرت عن استشهاد الشاب يزن أبو طبيخ، وكما تصدى شباب ضاحية الشويكة في طولكرم لهدم منزل عائلة الشهيد أشرف نعالوة في شهر 12/2018. لقد عبّر الشيخ خضر عدنان عن المزاج الشعبي المساند للمقاومين حين صرّح بأن "سياسة الاحتلال في هدم منازل الأسرى والشهداء لن تثني الشعب الفلسطيني عن مواصلة مقاومته، ولن تقف عائقا أمام سعيه لتحقيق حريته".

الهدم لأسباب "أمنية"

في يوليو/تموز 2019، اقترف الاحتلال "مجزرة" بحق 13 مبنى يضم 70 شقة سكنية في وادي الحمص، ببلدة صور باهر جنوب القدس، بسبب قربها من جدار العزل "الإسرائيلي". حيث ادعى الاحتلال أنها تشكل خطرا على مستوطنيه. في حين أن السبب الحقيقي، بحسب الباحثين في شؤون القدس، هو سياسة التطهير العرقي والديني في منطقة القدس التي تنتهجها قوات الاحتلال ضد المقدسيين، والحديث عن أسباب أمنية هو "محاولة لتبرير هذا الحجم الكبير من عملية التدمير" (خليل التفكجي)، التي لم تحصل منذ تدمير حي المغاربة في القدس  العام 1967 .

وفي مخيم شعفاط، ابتكر الصهاينة حجة أمنية أخرى، ارتفاع بناية مكوّنة من أربعة طوابق تطلّ على مستوطنة، ليطلبوا هدمها يوم 13/3/2020. هنا، أصبح وجود المستوطنة الصهيونية المعيار الأمني الأول والأساس في عملية التنظيم المدني لدى الاحتلال.

الهدم بسبب عدم الترخيص

هدمت قوات الاحتلال الآلاف من المنازل في جميع أنحاء فلسطين المحتلة، تحت ذريعة: "البناء غير المرخص". ففي الأراضي المحتلة عام 1948، أصدر الكنسيت الصهيوني في العام 2018 قانون "كيمينتس" لشرعنة عملية الهدم، والذي يهدّد عشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية، التي اضطرت الى بناء مساكنها على أراضيها، دون انتظار التراخيص "الإسرائيلية"، التي نادرا ما تتوّفر.

يستهدف هذا القانون حوالي 500 ألف فلسطيني من شمال فلسطين الى جنوبها، حيث تعيش الآلاف من العائلات في قلق مستمر، محاولة إرجاء عملية الهدم لحين استصدار تراخيص، التي قد تكلفها المزيد من المال والجهد، وهي تتنقل بين المحاكم والدوائر الصهيونية المختلفة، وأحيانا دون جدوى، إذ تتقدم الجرافات وتزيل البيت أو البيوت في أقل من ساعة، بعد تطويق المكان وإبعاد المحتجين وتصويب رصاص الشرطة نحوهم، وقتل (الشهيد يعقوب أبو القيعان في قرية أم الحيران عام 2017)، وجرح العشرات (مدينة شفا عمرو في العام 2019 بعد هدم ثلاثة منازل).

يشارك المقدسيون هذه الحالة المأساوية، وبأضعاف، منذ عشرات السنين، وخاصة بعد اتفاقيات أوسلو وتكثيف الاستيطان اليهودي ووضع خطط لتقليص عدد المقدسيين في ما يسمى "القدس الكبرى". وشهد العام 2019 ارتفاعا ملحوظا بعدد المنازل الفلسطينية المهدمة في منطقة القدس بحجة عدم الترخيص، وخاصة في البلدات المحيطة بالمدينة وأحيائها، مثل جبل المكبر والعيسوية، وبيت حنينا وشعفاط.

وتشير التقارير الإحصائية الى أن عدد المنازل التي هدمت بسبب عدم الترخيص في منطقة القدس، ما بين 2004 و2019 بلغ أكثر من 950 منزلا، وأن عدد من شرّدوا بلغ أكثر من 3 آلاف نسمة، منهم حوالي 2000 طفل.

يدعي الكيان الصهيوني أنه يخطط وينظّم البناء، كالدول "المتحضّرة" في العالم، وأنه يواجه البناء "العشوائي" الفلسطيني، ولكن من يتمعّن في خططه وتنظيمه وقراراته، لا يرى إلا خطة تهدف الى اقتلاع وترحيل الفلسطينيين الى ما وراء حدود يرسمها ويعيد رسمها وفقا لقدراته العسكرية ودعم "المجتمع الدولي" له، لإقامة كيان استيطاني يهودي خالص.

في الأصل، لم يعترف الكيان الصهيوني بوجود الشعب الفلسطيني على أرضه وفي وطنه، فهو بالنسبة له "مقيم مؤقت" غير معترف به، كالقرى غير المعترف بها في النقب وفي الأغوار، والتي يهدمها كلما سنحت له الفرصة.

ولكن تشبث الشعب الفلسطيني بأرضه ووطنه، والمقاومة الشرسة ضد وجوده، جعلا الكيان يتراجع ويناور أحيانا، ويرضخ للضغوط الداخلية والخارجية أحيانتا أخرى. ما يعني أن إرادة التصدي لدى الشعب الفلسطيني لمحاولة إزاحته عن وطنه، وعدم استسلامه للعدو، رغم تشريد عشرات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم ومعاناتهم المستمرة وفقدان الأمان والاستقرار من جراء هدم منازلهم، تظلّ الأساس في توسيع وتطوير المقاومة الشعبية المسلحة.

التعليقات

Send comment