سبعون عامًا وعامين وحدود فلسطين بين نكبتين.. وفق حدود جونسون وترمب محمد عبدالرحمن عريف

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

هي بالطبع كارثة بدأت في 14أيار/ مايو 1948 عندما غادر المندوب السامي البريطاني القدس إلى بريطانيا وذلك تمهيدًا لإعلان قيام دولة الاحتلال “إسرائيل” في اليوم التالي، ولكن اليهود لم ينتظروا ففور مغادرة المندوب السامي البريطاني في الساعة الرابعة ظهرًا، أعلن بن غوريون قيام دولة الاحتلال وبعد 11 دقيقة من الإعلان قام الرئيس الأمريكي ترومان بإعلان اعتراف الولايات المتحدة بقيام دولة الاحتلال مما يدل بوضوح على تنظيم الأمر قبل مدة من صدوره. وبعد إعلان دولة الاحتلال خاضت عدة جيوش عربية معظمها غير نظامي في قتال اليهود وحققت انتصارات في الجولة الأولى، فتدخل مجلس الأمن بضغط من الولايات المتحدة وفرضت هدنة بحجة إفساح المجال للوسيط الدولي (الكونت برنادوت) لإيجاد اتفاق بين الطرفين.

سبعون عامًا وعامين.. تبقى هي النكبة في سياقات فلسطينية وعربية ودولية، وفى سياقات تحولات في موازين قوى تعمل لصالح إسرائيل -ولا تعمل لصالح مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية- وتأتى في ظل تحولات ومفاهيم وتصورات سياسية سلبية حول القضية الفلسطينية، وأخطر هذا التصورات الوصول لقناعات وإدراكات سياسية عربيه ودولية بضرورة إنهاء القضية الفلسطينية، العالم وصل لهذه القناعة وهذا أخطر ما يمكن تلمسه بعد هذه السنون الطويلة، فبدلًا من تزايد الإدراك والقناعة بحتمية وضرورة حل القضية الفلسطينية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقيام الدولة الفلسطينية، ومراعاة قرارات الشرعية الدولية.

عندما نتحدث عن نكبة فلسطين، نتحدث عن جرح مستمر منذ التشريد الأول حتى اليوم، نتحدث عن مأساة ومؤامرات ومجازر مختلفة ترتكب بحق شعب تخلى عنه الصديق والقريب من أجل عيون دولة الكيان الغاصب “إسرائيل” التي أقامها الاستعمار البريطاني بموافقة الأمم المتحدة والدول الغربية كعربون صداقة لحل قضية اليهود وكأن حل المشكلة اليهودية لا يتم إلا على أكتاف وجراحات الشعب الفلسطيني.

لقد فشلت إسرائيل ومعها الولايات المتحده من إلغاء قرارات الشرعية الدولية التى تشكل ديمومومة القضية الفلسطينية، هذا الإنجاز لا بد أن يسجل هنا، وفى سياقه نجح الفلسطينيون ليس فقط في الحفاظ على هويتهم الوطنية، وعلى تواجد الشعب الفلسطيني الذى يعادل سكانه ما بين النهر والبحر عدد سكان إسرائيل. بل أيضًا في تحقيق شخصية دولية لهم، بالإعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحده وبرفع علمها إلى جانب أعلام الدول الأخرى، وفى التمثيل الدبلوماسي الذى يغطى معظم دول العالم. وبالتواجد الفلسطيني على أرض فلسطين، ولعل هذا من أهم الدروس التي أستوعبها الشعب الفلسطينى عدم تكرار النكبة ثانية في عملية تهجير جديده. وفى الحفاظ على المخيمات رغم كل المعاناة كدليل على النكبة الكبرى والتي ما زالت قائمه، ولا يمكن لأى قرار أمريكى بإنهاء دور وكالة الغوث بإزالتها.

نعم في مقابل هذه الإنجازات لا شك هناك سجل من الفشل والعبرة بالفشل في تجنب أسبابه، وبداية هذا الفشل في حرب 1948 وضياع 77 في المائة من فلسطين، وفى حرب 1967 والتي بعدها أحتلت إسرائيل كل الأراضى الفلسطينية وما زالت حتى وقتنا الحاضر، ومن صور الفشل التفاوض في ظل عناصر من الضعف، وعدم توظيف عناصر القوة في التفاوض.

الواقع أن احتلال فلسطين أغرب سابقة في التاريخ الحديث.. حيث استوطنت أقلية أرض الأكثرية بدعم سياسي ومالي وعسكري من الخارج، حيث يعيش اليوم أكثر من70% من شعب فلسطين في المنافي واللجوء، وهكذا يجد اللاجئون أنفسهم في أسوأ حال منذ النكبة، يطلب منهم تحت غطاء السلام أن يسقطوا حقوقهم ولا سيما حق العودة إلى أرضهم التي هجروا منها والذي تحميه كل الشرائع والقوانين، فهؤلاء لم ينتظروا أكثر من نصف قرن في الشتات، مقاومين مناضلين صابرين، خارجين من غبار ستة حروب وعدد لا يحصى من الغارات والإغارات لكي يقّروا بعدها أنه ليس لهم وطن وليس لهم حق أو تاريخ، وأن هذا كله وهمٌ وخيالٌ كما أراد المتلفعون بجلد اسمه السلام حتى أصبح الصائح أن القدس عربية إسلامية مختل العقل أو إرهابيًا تطارده الأنظمة والحكومات المحبة للسلام، وبالمقابل فإنه رغم كل النوائب سيبقى الشعب الفلسطيني مكافحًا عن حقوقه حتى يعود لأرضه.

إذا جمعنا التفصيلين فإنهما يعنيان أن الخطة الأميركية تفتح الطريق لتنفيذ تطهيرعرقي ضد سكان القدس الفلسطينيين. أما الوقاحة التي لم يتجرأ عليها تاريخيًا أي محتل من قبل، فهي التأكيد على أن الكيان الفلسطيني في قطاع غزة، وما سيتبقى من الضفة بعد سلب معظمها لصالح المستعمرين، سيكون منزوع السلاح بالكامل ومجرد من أي إمكانية للدفاع عن النفس، ولكن سيكون عليه دفع أتاوة، وتكاليف حماية، للحكومة الإسرائيلية وجيشها. وما يعنيه ذلك، أن الفلسطينيين سيبقون خاضعين للاحتلال، ولنظام الأبرتهايد الإسرائيلي وسيكون عليهم أن يدفعوا لإسرائيل ثمن إحتلالهم، وثمن ما يتكلفه جهاز الأمن الإسرائيلي لإستعبادهم.

الحقيقة أنه بإستثناء مرحلة الإنتفاضة الأولى، فإن إسرائيل كانت تجبي من الفلسطينيين تحت الإحتلال تكاليف إحتلالهم وتحقق أرباحًا، من خلال جمع الضرائب، والرسوم، والغرامات ومصادرة المياه، والأراضي، والثروات الطبيعية. وكلما كان الإحتلال مربحًا كلما انعطف الجمهور الإسرائيلي نحو العنصرية والتطرف الشوفيني، كما ظهر ذلك بوضوح في كل إنتخابات إسرائيلية. لن يزول الإحتلال، ولن يسقط نظام الأبارتهايد ما دام مربحًا، وما لم تصبح تكاليفه أكبر من مكاسبه.

إن مدى القلق الأمني الديمغرافي عند الكيان الإسرائيلي من موضوع عودة اللاجئين, والذي أدى بدوره إلى تشدد الإحتلال في موقفه من قضية اللاجئين لاعتباراتهم الأمنية الديمغرافية, الأمر الذي ساهم فعلياً وعملياً في اطالة أمد الصراع, وجعل الساعين إلى الحل يَلهثون نَحوه عبثاً, وبناءً على ما سبق نجد أن تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي المختلفة الجوانب, ألقت بظلالها على صعوبة إيجاد حل لقضية اللاجئين. لتبقى تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين وتوازن الحل فيها يقتضي إجراء مفاوضات لا على حقوق الشعب الفلسطيني التي تضمنتها قرارات الشرعية الدولية, وإنما لبحث آليات تنفيذ تلك الحقوق والقرارات دون وضع عصا الأمن الديمغرافي الإسرائيلي في دواليب عملية السلام ليتم تشكيل أساسيات الحل السياسي الدائم, فالفلسطينيون يريدون فعلاً تحقيق السلام ولكن سلاماً يكون قريباً من العدالة وليس سلاماً يُملي فيه الطرف القوي شروطه واعتباراته الأمنية على الطرف الضعيف.

فلسطين وفق حدود ترمب 2020

تمر السنوات ليخرج علينا دونالد ترمب بخطته للسلام في الشرق الأوسط، وقدم لإسرائيل في هذه الخطة معظم ما تريده من سيطرة أمنية على أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية من غور الأردن حتى البحر المتوسط، واعتراف بشرعية المستوطنات الإسرائيلية، وبسيطرة إسرائيل على مدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، والتنازل بشكل مطلق عن مطالبة إسرائيل بهدم أي مستوطنات قامت ببنائها في الضفة الغربية. وطالب ترمب في المقابل بتنازلات من الجانب الفلسطيني مقابل إنشاء دولة فلسطينية «ذات سيادة محدودة» وتعهد إسرائيل بعدم بناء مستوطنات جديدة لمدة أربع سنوات إذا قبل الجانب الفلسطيني الخطة الأميركية والدخول في مفاوضات ومحادثات ونبذ العنف والإرهاب والتوقف عن تقديم المساعدات لأسر الإرهابيين.

نعم لم يوضح المسؤولون الأميركيون ما إذا كان يمكن تمديد فترة السنوات الأربع إذا لم يتم إبرام صفقة نهاية تلك الفترة. وتقدم الخطة أرضاً قابلة للمفاوضة من حيث الحجم إلى الضفة الغربية وغزة لإقامة دولة فلسطين. وهو ما أنهى التكهنات حول ما إذا كانت إدارة ترمب ستتخلى عن فكرة «حلّ الدولتين»، لكن الخطة منحت سيطرة إسرائيلية كاملة على الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، وهو أمر سيعارضه الفلسطينيون. وقال ترمب، في خطابه بالبيت الأبيض، إن الخطة الأميركية تعد خطوة كبيرة نحو تحقيق السلام، وإن رؤيته للسلام تقدم كثيراً من التفاصيل التكتيكية، وهي مختلفة عما طرح سابقاً من إدارات أميركية سابقة من عهد الرئيس الأميركي الأسبق ليندن جونسون إلى الآن، مشدداً أن رؤيته تمثل نصراً وفوزاً للجانبين، وأن الخطة هي أكثر خطة جدية وواقعية وتفصيلية قدمت على الإطلاق، ويمكن أن تجعل الإسرائيليين والفلسطينيين والمنطقة أكثر أماناً وازدهاراً.

لقد وصف ترمب الخطة بأنها «صفقة مربحة لكلا الطرفين» وقال: «إسرائيل مستعدة لأخذ هذه الخطوة الكبيرة من أجل تحقيق السلام ومستعدة لتنفيذ الخطة مقابل البدء في مفاوضات». وأعلن ترمب تشكيل لجنة تتولى وضع الخرائط للخطة المفصلة وتنفيذها «فوراً»، وشدد الرئيس الأميركي أنه وفقاً لهذه الخطة ستكون القدس عاصمة غير مقسمة لإسرائيل، وتعترف فيها الولايات المتحدة بسيطرة إسرائيل على بعض المناطق، وتعترف فيها بحل الدولتين، شرط عدم وجود أي خطر أمنى على دولة إسرائيل.

ترمب صرح أنه «لن تكون هناك عودة للعنف وإطلاق الصواريخ وقصف للمحال، ولن أطلب من إسرائيل التفاوض أو التنازل عن الأمن، وقد قمت بالكثير من أجل إسرائيل، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية، والاعتراف بسيطرة إسرائيل على الجولان، والخروج من صفقة إيران النووية الرهيبة».

هنا وفي محاولة لاستمالة الجانب الفلسطيني، أشار ترمب أنه أرسل رسالة للرئيس الفلسطيني محمود عباس أشار فيها أنه سيتم وقف بناء المستوطنات الإسرائيلية لمدة 4 سنوات، لتتاح الفرصة للجانب الفلسطيني لدراسة الخطة والتفاوض ليكون لهم دولة مستقلة. وقال ترمب، خلال الخطاب بالبيت الأبيض: «لقد قلت في رسالة للرئيس محمود عباس، إذا اخترت مسار السلام فإن الولايات المتحدة ودولاً أخرى ستساعدك في كل خطوة على الطريق، ولأول مرة أقول إنه هذه الخطة ستعمل إذا قام الفلسطينيون بقبولها وستظهر للعالم أي إلى مدى يمكن أن يتم العمل لتحقيق السلام. فالفلسطينيين يستحقون حياة أفضل ومستقبلاً أفضل، وظلوا عبر كثير من السنوات ضحية لدائرة من العنف والإرهاب، وأنه حان الوقت للفلسطينيين للحصول على مستقبل وحياة أفضل». وأضاف ترمب أن الفلسطينيين محبطون بعد سنوات من الحصول على وعود لم يتم تحقيقها، وهذه الخطة والخرائط ستوفر عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية حيث سنقوم بافتتاح سفارة أميركية.

شدد ترمب أنه سيكون للفلسطينيين (في حال قبلوا بتنفيذ الخطة الأميركية) مليون فرصة عمل، كما سيتم خفض نصف معدلات الفقر، ما سيؤدي إلى رفع الناتج القومي الإجمالي للاقتصاد الفلسطيني. وقال: «حان الوقت لإنهاء هذا الفصل من تاريخ سفك الدماء بمبررات لا معنى لها»، لافتاً أنه على المسلمين التراجع عن الخطأ الذي ارتكبوه عام 1948 وعليهم الاعتراف بدولة إسرائيل. كما شدد على أن الأمر متروك للقادة الإسرائيليين والفلسطينيين لاتخاذ إجراءات شجاعة وجريئة لإنهاء الجمود السياسي واستئناف المفاوضات على أساس هذه الرؤية والخطة الأميركية. وإذا كانت للفلسطينيين مخاوف بشأن هذه الرؤية فيجب عليهم طرحها في سياق مفاوضات بحسن نية مع الإسرائيليين والمساعدة في إحراز تقدم. ولوح ترمب بأن مجرد معارضة هذه الرؤية «يعني دعم الوضع الراهن البائس الذي هو نتاج عقود من التفكير القديم».

الواقع على الأرض ما تشير به الخرائط التي نشرتها الإدارة الأميركية وتحدد الحدود الإسرائيلية الجديدة المقترحة إلى سيطرة إسرائيل على جزء كبير من وادي غور الأردن، وهي المنطقة الواقعة على الحدود الشرقية للضفة الغربية المتاخمة للأردن، وتستهدف هذه الخرائط إضفاء الطابع الرسمي للسيطرة الإسرائيلية على المستوطنات الكبيرة، وتمنح إسرائيل السيطرة الأمنية على الأراضي. وتمنح الخطة الحكم الذاتي للفلسطينيين، لكنه حكم ذاتي محدود في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وحكم يتدرج في الصلاحيات والسلطات خلال فترة زمنية مدتها 3 سنوات، وهذا بشرط قيام القيادة الفلسطينية بإجراءات وسياسات جديدة تتعهد فيها وتلتزم بنبذ العنف والمضي قدماً في محادثات ومفاوضات مع إسرائيل وفقاً للخطة، وإذا رفض الفلسطينيون التفاوض مع إسرائيل لإقامة دولتهم «المشروطة» فسوف تكون لإسرائيل الحرية في ضم الأراضي لسيطرتها.

تفرض الخطة على الطرف الفلسطيني الحكم الذاتي مقابل التخلي عن السلاح، وبعض صلاحيات الدولة في الدفاع والحماية وفرض الأمن، وتصبح سلطة استتباب الأمن مسؤولية الجانب الإسرائيلي. وتساءل كثير من المحللين حول شكل هذه الدولة الفلسطينية التي تطرحها الخطة الأميركية، وهي دولة تبدو منزوعة القدرة على السيادة. وقد امتلأت الغرفة بكثير من المسؤولين من الجانبين الأميركي والإسرائيلي، إضافة إلى جاريد كوشنر وإيفانا ترمب وجيسون غرينبلات مبعوث الشرق الأوسط السابق، وآفي بيركوفيتش المبعوث الحالي، وديفيد فريدمان سفير الولايات المتحدة في إسرائيل, إضافة إلى سفراء سلطنة عمان والبحرين والإمارات العربية المتحدة.

يبدو أن التوقيت رغبة من الرئيس ترمب في تشتيت الانتباه عن النتائج التي قد تسفر عن محاكمته أو إدانته، كما يستفيد نتنياهو من هذا الدعم الأميركي المفتوح كورقة ضغط تساعده على الفوز في الانتخابات المقبلة، وتمنع محاكمته عن تهم الفساد والرشوة والاحتيال وانتهاك الثقة. ويتزامن الإعلان أيضاً مع الاحتفال بذكري محرقة الهولوكوست وفي ظل ضعف فلسطيني وإدراك عربي للعلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي ظل الرغبة الأميركية والعربية بمحاصرة الطموحات الإيرانية في المنطقة.

لقد ساندت إدارة ترمب الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية في التاريخ، واعترفت إدارته بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبسلطة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية. وقال ترمب إن إدارته لم تعد تعتبر مستوطنات الضفة الغربية غير قانونية. وهو ما يتعارض مع القانون الدولي.

يبقى في النهاية “إنني عدت من الموت لأحيا، لأغني فدعيني أستعر صوتي من جرح توهّج وأعينيني على الحقد الذي يزرع في قلبي.. فلقد علمتني ضربة الجلاد أن أمشي على جرحي وأمشي.. ثم أمشي .. وأقاوم!”.. هكذا كتب محمود درويش.

سبعون نكبة ونكبة للعرب.. وإن كتب الناس فوق القبر “لم تمت”.

التعليقات

Send comment