يعيشون في سجنين.. فلسطينيون عائدون إلى غزة محرومون من الهوية

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

لا يستطيع مجد رشدان التقدم لأي وظيفة حكومية أو حتى لفرصة عمل مؤقت ضمن المشاريع التشغيلية الداعمة لشباب قطاع غزة، لأنه لا يحمل الهوية الفلسطينية الرسمية، فأسرته وعائلة جده تعتبر من العائلات الفلسطينية التي نزحت إثر النكسة العربية عام 1967، وعادت إلى قطاع غزة بعد أن أقام هو وأسرة جده ووالده في سوريا حتى عام 2002.

يبلغ رشدان 24 عاما، ويحمل بطاقة تعريفية منحته إياها وزارة الداخلية في غزة للتعريف فقط، لا تمنحه حقوق المواطنة بالمطلق، في ظل أن اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993 أقرت بالاتفاق على تأسيس السلطة الفلسطينية ومنح هوية فلسطينية للعائلات التي أقامت في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن الاتفاقية كانت تقرّ منح أكثر من 600 ألف فلسطيني في العائدين مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، بالتفاوض مع الجانب الإسرائيلي وموافقة إسرائيلية مع الهيئة الفلسطينية للشؤون المدنية.

لكن عادت عائلات فلسطينية أخرى إلى قطاع غزة، يقدر عددها بأكثر من 50 ألف عائلة ما بين عامي 1998 حتى 2009، وواجهت صعوبات في الحصول على هوية فلسطينية.

رشدان حُرم من الكثير من الفرص، وهو يعيش في وطن يعتبره دون وطن لأنه لا يحمل الهوية الفلسطينية، ويقول "للأسف نحن نتيجة انقسام فلسطيني حرمنا. قدمنا العديد من الكتب للسلطة الفلسطينية وهيئة الشؤون المدنية في غزة، لكن للأسف القرار مرتبط بقرار إسرائيلي كما يقولون لنا، وتوقفت الإجراءات على إثر الانقسام الفلسطيني".

حرمان من العمل والعلاج

وفاء أبو حجاج (31 عاما) أيضا واجهت ظروفا قاسية لأنها لا تحمل الهوية الفلسطينية، فهي تعمل في مجال الإعلام بغزة منذ عشرة سنوات مع عدد من الفضائيات المحلية والعربية.

لكنها في المقابل حُرمت من عشرات الفرص للمشاركة في دورات عربية خارجية وفرص عمل في فضائيات عربية لأنها لا تحمل الهوية الفلسطينية، ولا تحمل سوى بطاقة تعريفية فقط، لا تأهلها لأي عمل رسمي أو الحصول على خدمة حكومية عامة.

 

حتى والدها عبد المنعم أبو حجاج الذي يعاني من مرض القلب ويبلغ من العمر 72 عاما، هو الآخر محروم من الحصول على خدمات الرعاية الصحية وتحويلة طبية للخارج لنفس السبب، وقد اشتد عليه المرض، فهو يعاني من الربو إلى جانب مرض القلب.

وفاء ووالدها من آلاف الغزيين الذين لم يحصلوا على الهوية الفلسطينية نتيجة عدم حصول وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية على رد من الطرف الإسرائيلي، بالموافقة على منحهم الهوية الفلسطينية ضمن آخر دفعات الأسماء التي تفاوض الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني لمنحها هوية قبل أحداث الانقسام الفلسطيني في يونيو/حزيران 2007.

تقول وفاء "أعيش في غزة بسجن حقيقي أنا ووالدي، راجعت في العديد من المرات الجهات الفلسطينية، لكنهم للأسف أخبروني أن لمَّ الشمل توقف في غزة منذ 2007، والبطاقة التعريفية التي أحملها لا تغني ولا تسمن من جوع، حتى أن والدي احتاج تحويلة مرضية للضفة الغربية وللأسف ألغيت قبل عام لأنه لا يملك هوية فلسطينية".

تذكر وفاء أنها وأسرتها وصلوا إلى غزة عام 1998، بعد أن عمل والدها مدرسا في السعودية قبل عام 1967، لكنه عاد إليها بوثيقة سفر مصرية تمنح للاجئين الفلسطينيين، لأنه درس الجامعة في مصر وكان كل أربعة أعوام يسافر لمصر لتجديد الوثيقة التي تمنحه بطاقة الإقامة في السعودية، لكنه دخل غزة ولم يستطع الحصول على الهوية أو السفر من جديد.

إسرائيل تمنع الهويات

وبالعودة إلى اتفاقية أوسلو عام 1993، فقد اتفق جانبا التفاوض الفلسطيني والإسرائيلي على إقامة حكم ذاتي فلسطيني يقتضي بتشكيل السلطة الفلسطينية وإعادة مئات آلاف الفلسطينيين من الخارج لقطاع غزة دخولا مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ومنحهم على دفعات الهوية الفلسطينية مرورا بالموافقة على الهوية من جانب الارتباط المدني الإسرائيلي، وإصداره رقم الهوية، ووضع الاسم بالعربية والعبرية عليها.

مُنح 600 ألف فلسطيني من العائدين من الدول العربية والأجنبية لغزة هويات، كما يوضح مدير عام هيئة الشؤون المدنية في قطاع غزة صالح الزق، لكنه يشير إلى أن الصعوبات كانت في حوالي 60 ألف فلسطيني عادوا إلى غزة بعد عام 2000 ودخلوا القطاع عن طريق تصاريح الزيارات.

 

ينبه الزق إلى أن العائلات تقدمت بطلب لمّ الشمل للحصول على هوية فلسطينية، لكن بقي منهم قرابة خمسة آلاف اسم لم يحصلوا على الهوية الفلسطينية ولا جواز سفر حتى اللحظة، والطرف الإسرائيلي لم يصرّح بالسماح لهم بالحصول على هوية، إلى جانب أعداد قدمت إلى غزة بعد عام 2008، لم يُمنحوا إلا بطاقة تعريفية، والجانب الإسرائيلي يرفض الاعتراف بهم.

ويقول الزق "خلال اجتماع وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ مع الحكومة الإسرائيلية، طرحت قضية البدون هوية أكثر من مرة، لكن كان الرد الإسرائيلي بعدم منحهم الهويات لحجج أمنية".

وإلى جانب رفضهم استقبال طلبات للحصول على هوية من الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الدول العربية ودخلوا غزة بعد عام 2007، سيكون أبناؤهم للأسف ضحايا عندما يكبرون دون هوية، "لكن الأمل في حال تمت المصالحة الفلسطينية على أرض الواقع".

من العائلات التي دخلت غزة بعد عام 2007، كان هيثم أبو هاني (36 عاما) قد دخل إلى القطاع بعدما تم تدمير جدار معبر رفح نتيجة اشتداد الحصار الإسرائيلي، ودخولهم لشراء حاجياتهم في منطقة رفح والعريش المصريتين بموافقة من الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك حينها لأيام فقط، ودخل غزة لأن والده وأشقاءه عاشوا فيها وحصلوا على الهويات الفلسطينية.

لكن أبو هاني صدم من الواقع فلم يحصل على الهوية رغم تقدمه بطلب لمّ شمل باستخدام أوراق أشقائه الذين يقيمون في غزة، فهو من مواليد مصر ولأب فلسطيني.

غادر والده غزة عام 1967 متجها لمصر بعد النكسة العربية عام 1967، وتزوج في مصر وأكمل عمله مع منظمة التحرير الفلسطينية متنقلا بين لبنان واليمن ومصر، وتوفي عام 1987.

يقول أبو هاني "لا أستطيع التنقل أو الحصول على تعليم في أي مكان خارجي، ولا أستطيع السفر حتى للحج أو العمرة أو زيارة أمي في مصر، ووثيقة السفر المصرية التي أحملها أصبحت منتهية الصلاحية، وأنا في غزة الآن بسجن حقيقي، حتى لو فتح معبر رفح طوال الأيام فلن يسمحوا لي بالخروج، والوثيقة فقط كبطاقة تعريف كنت أحملها في مصر".

التعليقات

Send comment