اقتصاد دولة الاحتلال الصهيوني في خدمة الاستيطان والتهويد نبيل السهلي

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

سعت الحكومات الصهيونية المتعاقبة منذ العام 1948 إلى بناء جيش قوي لحماية المنجزات الصهيونية على الأرض، في وقت اهتم أصحاب القرار في دولة الاحتلال بتطوير الوضع الاقتصادي وتحقيق معدلات نمو تفوق معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة من جهة، وتأمين الرفاه الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى، حتى تبقى عوامل الجذب المحلية قوية، وتبعا لذلك تمّ تطويع الاقتصاد الصهيوني لخدمة التوسع والعدوان والأنشطة الاستيطانية في عمق الأراضي الفلسطينية، وبنود الموازنة الإسرائيلية السنوية دالة كبرى على ذلك، وخاصة فيما يتعلق بموازنتي العدوان والاستيطان واستيعاب المهاجرين اليهود من دول العالم .

الدعم الغربي

بعد مرور أكثر من واحد وسبعين عاماً من إنشائها، باتت دولة الاحتلال تمتلك أكبر اقتصاد في المنطقة ومستوى معيشة يضاهي الدول الأوروبية وأمريكا وأستراليا، ولا بد من الإشارة إلى أن نقطة البداية للتطور الاقتصادي كانت بالاعتماد على الحليف البريطاني ، وبعد ذلك تم التأسيس لحلفاء جدد بالاتجاه الفرنسي والأمريكي الذي ما زلنا نشهد فصوله عبر المساعدات الأمريكية السخية لدولة الاحتلال بشقيها الاقتصادي والعسكري. إضافة إلى ذلك سعت وتسعى دولة الاحتلال إلى تكريس الالتزام بآليات الصهيونية الاقتصادية التي تعمل على توليد الظروف الاستعمارية وصنع اقتصاد يهودي قوي ينمو ويتطور نتيجة للأضرار التي ألحقها بالاقتصاد العربي الفلسطيني.

وقد توضح جلياً استمرار عمل آليات الصهيونية الاقتصادية سواء على صعيد التوسع في بناء المستوطنات أو إلحاق الأضرار بالاقتصاد الفلسطيني، بعد اتفاقات أوسلو التي أبقت على السيطرة الصهيونية المطلقة على مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني.

ويمكن الجزم أن التوسع الصهيوني لا يمكن أن يجري في المستقبل إلا كما جرى في الماضي، أي على حساب المصالح الاقتصادية العربية في فلسطين . ولهذا فإن دولة الاحتلال تسعى في تسابق مع الزمن إلى محاولة بناء علاقات اقتصادية مع العديد من دول العالم لتتمكن من الاستمرار بالتوسع الاستيطاني والإحلال الديموغرافي بالاعتماد على آليات الصهيونية الاقتصادية ، وتالياً إلحاق الأضرار بالاقتصاديات العربية بشكل أسرع من السابق في ظل تحولات المشهد العربي الظبابي وحالة التشرذم الفلسطيني وانحياز إدارة ترمب لمواقف دولة الاحتلال .

اللافت أن الاقتصاد السياسي للمجتمع الصهيوني في فلسطين المحتلة يعتبر في حد ذاته نموذجا خاصا، حيث نشأ نشأة غير طبيعية، شأنه في ذلك شأن الكيان نفسه الذي أقيم على أنقاض الشعب الفلسطيني وأرضه في ظروف إقليمية ودولية استثنائية في 15 أيار /مايو 1948. وبالنسبة لدولة الاحتلال حسب الدكتور يوسف صايغ والدكتور حسين أبو النمل ،فإن الاقتصاد والسياسة موضوعان متلازمان، والحديث عن أي منهما لا ينفصل عن الآخر، فإن مفهوم القرار السياسي للاحتلال وعلاقته بالاقتصاد يختلف عن المفهوم التقليدي، إذ أن القرار السياسي هو الأساس وبقية الأمور، خاصة الاقتصاد في خدمته، حيث يتبوأ القرار السياسي الدور المركزي الذي يحتله الاقتصاد، حسب المفهوم الشائع والطبيعي بين الاقتصاد والسياسة، أو حسب التعريف الذي يقول إن السياسة اقتصاد مكثف. وتبعا لذلك فإنه عند القيام بتحليل الأداء الكلي أو الجزئي لاقتصاد دولة الاحتلال يجب الأخذ بعين الاعتبار مقدمات النشأة وظروف التطور، والأهم من ذلك الانطلاق من حقيقة أساسية تتمحور حول عناصر الإنتاج التي ارتكز عليها الاقتصاد الصهيوني، وفي المقدمة منها الأرض الفلسطينية التي اقتلع أهلها العرب الفلسطينيون منها بقوة المجازر الصهيونية ليصبحوا لاجئين في أكثر من سبعين دولة في العالم.

تضافر القيم المضافة

وقد مرّ الاقتصاد الصهيوني بمراحل عديدة، ففي البدايات تم الاهتمام بالقطاع الزراعي وامتدت تلك المرحلة حتى العام 1954، أما مرحلة النمو المرتفع فامتدت حتى العام 1972، وتميزت بدعم غربي كبير، تلت ذلك مرحلة الكساد التي امتدت في السنوات من العام 1973 حتى العام 1985، وبعد ذلك التاريخ وحتى بداية العام الحالي 2018 تمت عملية إصلاح وخصخصة لبعض القطاعات، لكنها لم تطل القطاعات الإستراتيجية مثل صناعة الأسلحة والصناعات الإستراتيجية الأخرى. أما عن مستوى الأداء الاقتصادي في السنوات الأخيرة على الأقل، فتشير الدراسات الاقتصادية بالاعتماد على المجموعات الإحصائية الإسرائيلية السنوية إلى أن تضافر القيم المضافة لكل القطاعات الاقتصادية في دولة الاحتلال أدى إلى توليد قيمة من الناتج المحلي الإسرائيلي وصلت إلى 132 مليار دولار عام 2005، ارتفعت إلى 142 مليارا في العام 2007، لتصبح قيمه الناتج الإسرائيلي المحلي في نهاية العام الماضي 2018 الماضي (358) مليار دولار بالأسعار الجارية، أما بالأسعار الثابتة فبلغ (313) مليار دولار، أي بزيادة قدرها (68) مليار دولار، عن الناتج المتحقق في عام 2010.

واختلفت مساهمة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي ، حيث أسهم قطاع الزراعة بنحو 3% من الناتج، أما قطاع الصناعة فقد أسهم بنحو 19%، وقطاع الخدمات 78% من إجمالي قيمة الناتج المحلي الصهيوني المتولد في السنوات الأخيرة. وكذلك هي الحال بالنسبة لاستحواذ القطاعات المذكورة على قوة العمل ، حيث تشير المجموعات الإحصائية لدولة الاحتلال إلى أن 3% من قوة العمل ، تعمل في قطاع الزراعة، و78% في قطاع الخدمات الذي يضم كل القطاعات الأخرى دون الزراعة والصناعة، في حين استحوذ قطاع الصناعة الصهيوني على 19% من إجمالي قوة العمل في الاقتصاد الصهيوني خلال العقد الاخير. ويلحظ المتابع لاتجاهات تطور الاقتصاد الصهيوني ارتفاع مستمر في حجم الموازنات السنوية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر بلغت قيمة الموازنة (95،6) مليار دولار في 2017، ارتفعت إلى نحو (99،1) مليار دولار في 2018، في حين وصلت قيمة موازنة العام الحالي 2019 إلى(140) مليار دولار ، وقد تمّ تخصيص (25) مليار دولار منها لوزارة الحرب والأجهزة الأمنية ، كما اقتطعت نسبة كبيرة للنشاطات الاستيطانية وخاصة في مدينة القدس ، الأمر الذي يؤكد أن الآليات الاقتصادية الصهيونية في خدمة الاستراتيجيا العليا في دولة الاحتلال الصهيوني، وأن الاقتصاد في خدمة الاستيطان والتهويد .

التعليقات

Send comment