هواجس الخروج الإسرائيلي ونهاية الكيان في رواية "حق العودة" الهولندية

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - هولندا

نشرت رواية “حق العودة” بالهولندية في 2008، ولم تصدر لها إلا ترجمة ألمانية فقط. وتدور وقائعها في 2024، حيث تتنبأ بانكماش إسرائيل إلى منطقة تل أبيب والجزء الشمالي من النقب، حيث مفاعل ديمونا النووي، عقب اضطرارها للتراجع عن الشمال والجنوب والقدس؛ لتغدو “غيتو” (تجمعا) يهوديا محصنا. في هذا السياق، تبدأ قصة بطل الرواية برام منهايم، الذي يدير مكتبا لمساعدة آباء يبحثون عن أطفالهم المفقودين.

تداولت وسائل الإعلام خبرا عن استهداف موقع حدودي إسرائيلي جنوبا، ليجد منهايم لاحقا أن ولده المفقود منذ عقد ونصف العقد ربما كان متورطا في العملية.  يعزو المؤلف انكماش إسرائيل لضغوط كالقصف الصاروخي المتواصل الذي أدى إلى هروب المستوطنين، وانهيار الاجتماع الإسرائيلي، في ظل متشددين (دينيا) غيروا طابع الدولة العلماني، واضطروا العلمانيين للهجرة لبلاد أخرى.

وبقي يهود من ذوي سجل إجرامي وعجزة وجماعات تنتظر بهوس وقائع سفر الرؤيا (أحد أسفار العهد الجديد الحافل بنبوءات نهاية العالم)، وآخرون قرروا المكوث والدفاع عن الكيان. يرسم المؤلف شخصية بطله (برام منهايم) كيهودي هولندي هاجرت أسرته إلى إسرائيل وهو في 18 من عمره، وبفضل تحصيله الأكاديمي المتميز، غدا أستاذا لتاريخ الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب في مقتبل العمر. وتبدأ قصته البائسة عندما قَبِل في 2008 العمل أستاذا بجامعة أميركية؛ وفجأة فقد ابنه ذا السنوات الأربع.

تقوّضت حياته الزوجية، وانقلب عالمه رأسا على عقب، واختل عقليا؛ فتشرد وهام على وجهه بأميركا، إلى أن عثر عليه أبوه وعاد به إلى إسرائيل. هكذا مرت الأعوام ليصل السرد إلى 2024، حيث غدا منهايم مديرا لمؤسسة تساعد الأهل الباحثين عن أبنائهم الضائعين أو المفقودين في التجمع الإسرائيلي.

اكتشف منهايم أن منفذ الهجوم الحدودي شاب يهودي اختفى في نفس فترة اختفاء ابنه، فينتعش رجاؤه في الوصول لولده الذي يرجح أنه ضمن أطفال يهود اختطفوا وتدربوا ليكونوا “انتحاريين” مسلمين سيعودون لإسرائيل لقتل أهلهم!

..مئوية إسرائيل

أثار صدور الترجمة الألمانية للرواية ضجة بألمانيا؛ واتهم نقاد المؤلف بأن رؤيته التشاؤمية لمصير إسرائيل تشجع أصواتا ترى أن قيام إسرائيل كان خطأ في الأساس، وتنزع عنها الشرعية.  لكنه يؤكد صهيونيته وإيمانه بحتمية إقامة وطن قومي لليهود إزاء العداء للسامية الذي شاع بأوروبا في القرن 19. ويعتبر أن إقامة إسرائيل كانت مغامرة لالتقاط الأنفاس! لكنها لم تأت جغرافيا أو تاريخيا أو ثقافيا في فراغ، بل كان المسلمون يستيقظون من هزائم متتالية أمام القوى الأوروبية، وكان مفكروهم يبحثون عن إجابات لضعفهم وتخلفهم.

في سياق خلافات مثارة حول إقامة دولة يهودية بفلسطين، يرى دي وينتر أنه لو كان بيده لاختار لإسرائيل بلادا أخرى كالمستعمرة الهولندية سورينام، أو ولاية مونتانا، أو نيومكسيكو بأميركا، أو بلادا أخرى بباطنها نفط وذهب. بل ربما الأفضل قيامها عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة في ألمانيا الشرقية، كسداد لديون الألمان لليهود.

يرد دي وينتر على من يعتبرونه نذير شؤم بأنه ليس من الواقعية أن يكتب رواية تدور أحداثها في 2024، فتصف زيارة اليهود لمكة وإقامة أمراء السعودية بفنادق تل أبيب الفاخرة، واخضرار صحراء الأردن، وازدهار أحياء القاهرة الفقيرة، وانتشار السلام والسعادة بالشرق الأوسط.

في سياق زمن وأحداث الرواية، تسود فرضية تواصل وتفاقم الاتجاهات الراهنة، ويبدي خشيته من ألا يبقى من إسرائيل ما يشهد ذكرى قيامها المئوية؛ فعقب عقود من العنف والحروب والدمار، سيقرر يهود إسرائيل أنهم يحبون أطفالهم أكثر من دولتهم.

لكن ما الذي يمكن أن يحول وقوعه، قبل حلول 2024، دون تحقق رؤية دي وينتر الكابوسية لمصير إسرائيل؟ معجزة كظهور المسيح أو ثورة “لا دينية” في العالم العربي وتلك معجزة أخرى. لا يرى دي وينتر حلا لهذه المعضلة؛ فهناك صراع “قبلي” قديم، لم يعد الكثير منه موجودا على الأرض في العالم المعاصر، لكنه أساسي وضروري لازدهار إسرائيل، وهو الصراع على الأرض. لا يدع دي وينتر مجالا للشك في أنه ما لم يتمكن اليهود من اقتلاع الفلسطينيين (وهذا موضع شك كبير)، فسيحدث العكس بالتأكيد. ويحذر من هيمنة المسلمين أينما كانوا، وهي رؤية تغذي الإسلاموفوبيا الراهنة بالغرب.

..نهايات حتمية

في إفادته للجزيرة نت، يعدد سامي العريان، أستاذ الشؤون العامة ومدير مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) بجامعة صباح الدين زعيم بإسطنبول؛ حتميات نهاية المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الإمبريالي، فتتراوح من طبيعته العنصرية الإقصائية واقتلاعه شعبا كاملا من وطنه وتبعيته للإمبريالية الغربية واحتكاره التسلح النووي وإجهاضه استقلال العرب ونهوضهم وتدمير اليهودية، إلى سعيه للهيمنة على الإقليم بتفتيته إثنيا وطائفيا.

ويلفت إلى عوامل تفكيك تاريخية كتغير بنية القوى الدولية والإقليمية، وتداعي تماسك الكيان داخليا، وأفول فكرة “الحلم الصهيوني” وروح التضحية لدى أجيال إسرائيل الراهنة، وشيوع نمط الحياة الاستهلاكية الغربية، وانقسام مجتمعي عميق بين علمانيين يتناقصون ومتدينين يتكاثرون ويدفعون بالكيان نحو عنصرية فاشية صريحة.

ويحدد العريان الهدف النهائي بتضامن عالمي للعدالة واسترداد حقوق ضحايا الصهيونية وتفكيك المشروع بالكامل وإنقاذ اليهودية منه.

…الأمن والاستقرار

أما محمد سيف الدولة، الناشط والباحث المصري في الشأن الصهيوني، فيلفت في إفادته للجزيرة نت إلى أنه رغم الدعم الدولي غير المسبوق لإسرائيل وتواطؤ رسمي عربي، فشل المشروع الصهيوني بعد قرن في تحقيق أمنه واستقراره بالأرض المحتلة، رغم إمكاناته الضخمة وتسلحه الهائل لأن الأمة ترفضه والمقاومة الفلسطينية تتواصل وتتطور.

هذه المفارقة نجدها أيضا عند البروفيسور الإسرائيلي جوناثان رينهولد، الأستاذ بجامعة بار إيلان، الذي يقول ساخرا “اليهود سيكونون أكثر أمانا في طهران من عسقلان في هذه الأيام، إلى أن تبدأ إسرائيل وأميركا إلقاء القنابل على طهران”.

ويرى سيف الدولة أن مصير إسرائيل يتوقف على ديمومة المقاومة الفلسطينية وضرباتها وانتصاراتها، وسط حاضنة عربية قوية وفعالة، وإجهاض التطبيع الرسمي مع إسرائيل، وإسقاط اتفاقيات السلام معها، وكسر الانحياز الغربي للمشروع الصهيوني.

التي عانت ويلات الاستعمار استطاعت بعد عقود من الكفاح أن تنال حريتها، وتفككت مشروعات الاستيطان بالجزائر وروديسيا وجنوب أفريقيا، وقبلها الحملات والممالك الصليبية، ولن يستثنى الاستيطان الصهيوني من هذا المصير.

التعليقات

Send comment