مخاوف فلسطينية من "تعريب" تمويل الأونروا

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

صدرت في الآونة الأخيرة جملة تحذيرات فلسطينية مما أسمته "تعريب الأونروا" بجعلها عربية التمويل، في ظل التراجع الدولي عن تمويلها بسبب الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وزيادة الاتصالات الأمريكية مع عدد من دول العالم باتجاه عدم التصويت لتجديد التفويض الممنوح للأونروا في الأمم المتحدة.

السطور التالية تناقش جدية هذه المخاوف، وماذا يعني تعريب الأونروا، ومن الدول العربية المستعدة لتمويل المنظمة الدولية بخلاف الرغبة الأمريكية، وما آخر تطورات المساعدات العربية والدولية للأونروا، كم بلغت حتى هذه اللحظة، وطبيعة التحضيرات الفلسطينية لتجديد تفويض الأونروا مع اقتراب نوفمبر، في ظل المساعي الإسرائيلية لمنع تحقق ذلك.

في الوقت الذي يستنفر الفلسطينيون جهودهم واتصالاتهم للحصول على موافقة المجتمع الدولي بتمديد التفويض الممنوح لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين- الأونروا، لمدة ثلاث سنوات جديدة، فقد شهدت الساحة الفلسطينية مؤخرا انتشار مخاوف جدية قد تسبق هذا التفويض المتوقع في أوائل ديسمبر القادم.

فقد شهدت الأراضي الفلسطينية صدور تحذيرات متتابعة من التراجع التدريجي في الدعم المالي الذي تقدمه عدد من الدول المانحة إلى موازنة الأونروا، بدوافع شتى وأسباب مختلفة، سواء بسبب الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الساعية إلى طي صفحة الأونروا، تمهيدا لإغلاق ملف اللاجئين الفلسطينيين، أو تحت دعاوى وجود فساد وإهدار للمال في المنظمة الدولية.

الخشية الفلسطينية الحقيقية من هذا التردد الدولي في دعم الأونروا تمتد لما يمكن وصفه بعملية "تعريب" تدريجية للأونروا، بجعلها عربية التمويل، رغم أن دعمها وتمويلها مسئولية المجتمع الدولي عموما، وليس العرب خصوصا، رغم المسئولية الأخلاقية والتضامن القومي والإسلامي بينهم، لكن التحذير الفلسطيني يتعلق بالجهود الأمريكية الساعية إلى تحويل الوكالة من منظمة دولية إلى إقليمية، من خلال تعريبها.

القراءة الفلسطينية تشير إلى أن قطع التمويل الأمريكي قد يدفع بعض الدول العربية لأن تقدم تمويلا بديلا، ومع أن التمويل العربي مهم، لكن محظور أن يتحول تمويل الأونروا إلى عربي فقطـ، بل يجب استمرار التمويل الدولي، لأن ذلك يعكس المسؤولية الدولية عن مأساة اللاجئين عام 1948، نتيجة تقاعس المجتمع الدولي عن حمايتهم، وعن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة خاصة القرار 194، ولذلك من الأهمية بمكان أن يتحول تمويل الأونروا إلى جزء ثابت من الموازنة العامة للأمم المتحدة.

 

 عنصر قلق آخر يساور الفلسطينيين يسبق الاجتماع الأممي لبحث تجديد التفويض الدوري للأونروا، وجود مطالبات أمريكية بتخفيض تفويض المنظمة الدولية من ثلاث سنوات كما جرت العادة إلى سنة واحدة فقط، لأن أي تغيير في مدة التفويض يحتاج قرارا من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس بناء على رغبات دول أو أفراد.

الجدير ذكره أن عملية تفويض الأونروا تتم عبر ثلاث مراحل تبدأ بحضور رؤساء الدول ووزراء الخارجية في نيويورك، حيث تتم نقاشات حول تفويض الأونروا وأهميتها، على أن يبدأ التفويض أوائل نوفمبر المقبل من خلال لجنة مصغرة لمكافحة الاستعمار؛ لكن التفويض الحقيقي يبدأ في الأول من ديسمبر من خلال التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتقرير مستقبل الوكالة، والتجديد لها لثلاث سنوات مقبلة.

مع العلم أن الأونروا لا تملك صلاحية تجديد تفويضها؛ بل من خلال تصويت الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي هذه المرحلة بالذات فإن القلق يساور الفلسطينيين من طبيعة تطورات المنطقة والعالم بما قد يؤثر سلبا على نتيجة التصويت؛ رغم أن هناك تأييدا كبيرا للأونروا.

من أجل التصدي لهذه المخاوف الفلسطينية الدورية حول الضبابية القائم حول تفويض الأونروا، يطالب الفلسطينيون بأن تكون للأونروا موازنة دائمة، بدل الانتظار كل ثلاث سنوات، أسوة بمنظمات دولية شبيهة بها، مثل اليونسكو والفاو.

لقد بلغت موازنة الأونروا العام الجاري 2019، قرابة 749 مليون دولار، أما في 2015 فبلغت موازنتها 744 مليون دولار، وفي 2014 وصلت قيمتها إلى 732 مليون دولار، وفي 2010 بلغت 863 مليون دولار.

واجهت الأونروا التحديات المالية منذ 2018، حين قررت الإدارة الأمريكية تقليص مساعداتها من 360 مليون دولار إلى 60 مليون دولار فقط، علماً بأنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة تعتبر أكبر مانح للأونروا، وتقدّم سنوياً 40% من إجمالي ميزانيّتها، بقيمة 360 مليون دولار، تركّز على الرعاية الصحّيّة والتعليم والخدمات الاجتماعيّة للّاجئين الفلسطينيّين المنتشرين في مناطق عمل الأونروا الخمس: سوريا، لبنان، الأردن، الضفة الغربية، وقطاع غزة، ممّا سيلقي بظلاله السلبيّة على أوضاعهم البائسة حتّى قبل تقليص المساعدات الأميركيّة.

بجانب الولايات المتحدة، فإن الدول المانحة للأونروا سنوياً هي الاتحاد الأوروبي بقيمة 143 مليون دولار، و40 دولة ومؤسسة، لكن المنظمة الدولية بدأت تواجه عجزًا كبيرًا بلغ 446 مليون دولار، وهو عجز وجودي؛ وأي منظمة تفقد 40% من ميزانيتها يعرضها للانهيار، لكنها استطاعت أن تسد هذا العجز.

الجديد في وقف التمويل الدولي للأونروا، ما أقدمت عليه سويسرا وهولندا بتعليق دعمهما لها، بعد نشر تقارير حول فساد في المنظمة الأممية، مع العلم أن الفساد، لو تأكد وجوده، لا يعالج بوقف التمويل، بل بتعزيز آليات الشفافية والمراقبة والإشراف المباشر، لأنّ من يشرف على عمليات الأونروا في الغالب أفراد من دول الاتحاد الأوروبي.

مع العلم أن المنظمة الدولية تشهد حالة من إهدار كبير لأموالها بدليل أن عام 2014 كان لديها 174 موظّفًا دوليًّا، وفي 2015 ارتفع عددهم إلى 182، والعام الجاري 2019 أصبحوا 211 موظفًا، وهذا يعتبر بنظر الفلسطينيين استنزافا كبيرا لموازنتها، لأن متوسط الدخل للموظف الدولي يصل 138 ألف دولار سنويًا.

إن التوجهات الدولية، الأمريكية والأوروبية، بالتخلي التدريجي عن دعم الأونروا، وتمويل برامجها ومشاريعها الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، بحيث يتم حصر هذا التمويل في الدول العربية، تتزامن مع سلسلة إجراءات وسياسات أمريكية متسارعة لطي ملفات القضية الفلسطينية، وكأنها في سباق مع الزمن، وتبدو قراراتها الأخيرة الخاصة بالأونروا ممثلة للموقف الإسرائيلي برمته، وهو يشكل الإجماع الإسرائيلي المعارض لأي عودة للاجئين الفلسطينيين.

لقد تحدث الإسرائيليون في الأشهر الماضية عن توجه يقوده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لإجراء تقليص إضافي على موازنة الأونروا، ونقلها إلى الأردن، حيث يوجد على أراضيه ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني، يتلقون خدماتهم من الأونروا، وقد عرض نتنياهو هذا الموضوع رسميا على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

التبرير الإسرائيلي لهذا التوجه يتحدث أن الأردن يضم داخل أراضيه العدد الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون إعاناتهم ومساعداتهم من الأونروا، رغم أن الحكومة الأردنية يفترض أن توفر احتياجاتهم ومتطلبات حياتهم، على اعتبار أنهم أصبحوا مواطنين أردنيين، لكن هذه الحكومة ذاتها تبدي معارضتها لوقف عمليات الأونروا في بلادها، وترفض إجراء تقليص على المساعدات الدولية المقدمة للمنظمة.

كما شكل نتنياهو طاقما من عدة وزارات حكومية برئاسة مستشار الأمن القومي مائير بن شبات مهمته الأساسية تصميم سياسة واضحة تجاه مستقبل الأونروا، وتقديمها لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للتوصل لسياسة مشتركة بهذا الخصوص، وقد حصل هذا الطاقم الحكومي الإسرائيلي على معطيات رقمية من أجهزة الأمن بحجم الخدمات التي تقدمها الأونروا للاجئين الفلسطينيين في جميع القطاعات: التعليمية والغذائية والصحية والإسكانية.

هذه الخطوات التي تستهدف الأونروا، ونقل تمويلها والإشراف على برامجها، من مسئولية المجتمع الدولي إلى البلدان العربية والإسلامية فقط، لا تبقي الكثير من الشكوك التي تؤكد أن هناك تناغما إسرائيليا أمريكيا حول الإلغاء التدريجي للأونروا، في ظل موقف فلسطيني أقل ما يقال عنه إنه باهت، الرسمي منه والفصائلي والشعبي، وهو استمرار لذات الموقف السلبي من نقل السفارة الأمريكية الى القدس، مما قد يدفع واشنطن وتل أبيب لحسم ملفات الصراع الجوهرية مع الفلسطينيين، الذين يكتفون بإصدار بيان هنا ومسيرة هناك.

الحقيقة أن رفع يد المجتمع الدولي عن الأونروا من جهة التمويل والمساعدات المالية، وحصر الموضوع في الدول العربية والإسلامية، خاصة في منطقة الخليج العربي وتركيا، تجعلنا أننا أمام استحقاقات تاريخية تطوي معها سنوات وعقودا طويلة من الزمن، في ظل التسارع الذي تبديه الإدارة الأمريكية، وإلى جانبها الحكومة الإسرائيلية، مما لن يبقي أمام الفلسطينيين ما يتفاوضون بشأنه مع تل أبيب مستقبلا.

التعليقات

Send comment