اللاجئون في "الجزر اليونانية".. حلم "الحياة الوردية" يتحول إلى كابوس!

وكالات -

بمخيمات معزولة عن المدن اليونانية الأخرى، يتوزع اللاجئون والمهاجرون على نحو 12 جزيرة يونانية، أبرزها خيوس، وليروس، وساموس، ومتليني، وكوس.. هنا حيث يتحول حلم "الحياة الوردية" في أوروبا إلى "كابوس".

أناسٌ عايشوا قسوة التجربة يروون لصحيفة "فلسطين" مآسي القوارب التي تذهب فلا تعود، فيظل اللاجئ يعيش بين غابات وأماكن أشبه بـ"المعتقل" إلى أن تأتي "رحمة" الخروج إلى بلجيكا، وقد تستغرق شهورًا أو أعوامًا.

بكاميرا هاتفه الخلوي اصطحبنا خالد المقادمة (24 عامًا) في جولة داخل مخيم اللاجئين "الكامب" في جزيرة "ساموس" اليونانية، بدأ في التصوير من خارج المخيم متجولًا بين مئات الخيام المصنوعة من القماش والأخشاب، والمنتشرة بين أشجار وحشائش متلاصقة، وأمامها الملابس المبللة المنشورة على الحبال مع انتشار القمامة بين أزقتها، تجد أمامك أشخاصًا من جنسيات مختلفة من السودان وإثيوبيا والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، وغيرها.

ويصف المقادمة الحال في المكان الذي يوثق الحياة فيه بقوله: "الوضع هنا صعب ومزرٍ، اللاجئون ينامون في الغابات لأن الطاقة الاستيعابية داخل المخيمات امتلأت أضعاف ما يمكنها استيعابه، في الخارج اللاجئون يحرمون من وجبات الطعام "السيئة" التي تقدم في الداخل".

فالحياة الوردية التي كان يرسمها المقادمة الذي غادر غزة مطلع العام الجاري، تبدلت إلى جحيم بعد أقل من شهر على وجوده في جزيرة ساموس، يضيف: "لم أجد مكانًا لي في الكامب (مقر لتجميع اللاجئين بالجزيرة) فوُضعت فيما يشبه الخيمة في الغابة. لم أتخيل أن تكون الحياة هنا بهذا الشكل".

يتقدم خطوات إلى داخل المخيم عبر البوابة الرئيسة الحديدية، يقف على أبوابها حراس من الشرطة اليونانية، ومحاطة بسياج حديدي.

والكامب هو القاسم المشترك بين جميع الجزر اليونانية، يضم كرفانات أو خيامًا كبيرة بها غرف خشبية ويعيش فيها عائلات وشباب لاجئون، في مكان أشبه بالسجن، أعاد ذاكرة المقادمة إلى الحياة في قطاع غزة الذي يحاصره الاحتلال الإسرائيلي من كل جانب منذ 13 عامًا.

أما عن الطعام فيوضح المقادمة: "هنا يقدمون ثلاث وجبات، الفطور والعشاء عبارة عن "ساندويتش" لا يشبع طفلًا، ووجبة الغداء إما عدس وإما فاصولياء معظمه غير صحي، والوجبة لا تكفي فردًا".

ومرَّ المقادمة بهاتفه أمام دائرة شؤون اللاجئين، على أبوابها يصطف العشرات من اللاجئين من جنسيات مختلفة، كانت أبوابها مغلقة أمامهم، يعلق على المشهد بنبرة صوت غاضبة: "في السابق كان اللاجئ بعدما يمضي فترة ثلاثة أشهر يذهب لمقابلة هذه الدائرة حتى تنظر في قضيته وتعطيه إقامة، أما اليوم فيظل يعيش بين الغابات والأشجار لعام كامل ولم يأتِ موعد مقابلته".

"المخيمات لا تصلح لعيش الحيوانات، المخدرات أصبحت منتشرة بكثرة، والسلطات اليونانية ليست لديها رحمة لإخراج اللاجئين إلى العاصمة أثينا. نعيش بين النفايات، تصطف هنا بالساعة حتى تجري معاملة بسيطة" هكذا يواصل وصفه.

وصار فصل الشتاء هاجسًا يؤرق المقادمة وغيره من اللاجئين هناك، مفسرًا أنه "في الشتاء درجة الحرارة منخفضة جدًّا لا يتخيلها إنسان، تنخر البرودة العظام، والمطر لا يتوقف، الناس هنا خائفة من اقتراب الفصل".

انتظار "لم الشمل"

"اليونان ليست جنة، هنا اللاجئ مذلول مقهور، أوضاع المخيمات صعبة، فلا يوجد أدنى اهتمام من السلطات اليونانية التي أقامت مخيمات اللاجئين في أماكن بعيدة عن المدن والضواحي اليونانية، بأماكن معزولة عن المواصلات، والآن تحملت وأنتظر لم الشمل، ولقاء أبي الموجود في بلجيكا"، هذا ملخص حياة الفتاة الغزية أسماء إبراهيم -اسم مستعار- (26 عامًا) بعدما رفضت الكشف عن اسمها الحقيقي.

والفتاة إبراهيم غادرت القطاع في 7 أغسطس/ آب 2017، ووصلت إلى هنا، فتصف حالها: "فكرت بالهجرة من غزة نظرًا لظروفها القاسية بسبب الحصار، بعدما تخرجت في الجامعة ولم أجد أي مستقبل واضح أمامي، قررت الهجرة إلى بلجيكا، مررت والمهاجرين أمثالي بالطريق المعروفة من مصر إلى تركيا، وعانينا من جشع المهربين والسماسرة، في الغربة حتى أولاد بلدك يسمسرون عليك".

وتضيف: "كنت أريد المرور من اليونان إلى بلجيكا بسرعة، لكن الأمور على أرض الواقع ليست كما في التوقعات أو الأمنيات، فبعد عدة محاولات لمغادرة تركيا عن طريق البحر، استطعت في المحاولة السادسة الوصول للجزر اليونانية، برفقة والدي وشقيقي الصغير".

لكن الذي جرى كان مخالفًا لكل مخطط العائلة، فظروف الهجرة أجبرتها على الافتراق إلى حين اللقاء، وما زالت تذكر ذلك اليوم جيدًا: "تعب أبي من رحلة السفر، حاولنا الخروج معًا لكن لم نستطِع، فأصررت على أبي بالسفر إلى بلجيكا، وفي يوم صعدت الطائرة لكنني خفت على أخي الصغير (14 عامًا)، فنزلت وأفصحت عن نفسي بأنني مسافرة بطريقة غير رسمية، وإلى الآن ننتظر لم الشمل مع أبي".

وتوجد الفتاة إبراهيم بأحد المخيمات ليس في الجزر بل في العاصمة "أثينا"، حيث يعيش هنا كل خمسة إلى ثمانية أشخاص في كرفان، والعائلة الواحدة تعيش في كرفان واحد.

أرسلت لنا صورًا لشقيقها يظهر فيها حبوب جلدية في جسمه من أثر المياه الملوثة والحشرات التي تزيد الالتهابات، فالكرفانات التي يعيشون فيها تفتقر لأدنى مقومات النظافة، عدا عن أن الأماكن هنا مليئة بالحشرات والأفاعي.

القنصلية غائبة

"السفارة الفلسطينية ليس لها دور هنا"، كلمات استهل بها الشاب محمد أبو نحل الموجود بجزيرة "ليروس"، مضيفًا: "حينما نحتاج السفارة لأمور طارئة مثل إرجاع متوفى أو إجراءات أخرى، إذا لم يحدث ضغط على مواقع التواصل الاجتماعي لا تتحرك، فأغلب من يذهبون للسفارة لإجراء معاملة استخراج بدل جواز سفر مفقود، لا تقبله".

وإذا كان من الصعب توافر الطعام بالمخيم، فإن المشروبات الكحولية موجودة بكثرة، يقول عن تعاطي اللاجئين للمخدرات: "الوقت والفراغ هما ما يدفعانهم لذلك، فالجزر وضعها مأساوي، وإجراءات الحياة صعبة، فهم يخرجون من هذه الأجواء لعالم المخدرات لكون الحصول عليها سهلًا".

ولا ينسى أبو نحل أصعب ما مر به هنا، يقول: "خرجت من غزة في مايو/ أيار 2018، ومكثت في تركيا عدة أشهر، وعندما وصلت في نهاية العام ذاته الجزر اليونانية، حجزت لمدة 25 يومًا بغرفة واحدة مع عشرين شخصًا، وكان الروتين اليومي النوم والاستيقاظ وأمامك ساحة صغيرة محاطة بسياج، في مكان أشبه بالسجن، وتعد أيام عمرك التي تذهب سدى أمام عينيك ولا تستطيع الهروب من هذا الجحيم".

التعليقات

Send comment