فلسطين بين البندقية والسياسة عماد عفانة

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

ينقسم الواقع الفلسطيني إلى اتجاهين فكريين في طريقة الدفاع عن القضية الفلسطينية.

فما يسمى بالانقسام الفلسطيني في الحقيقة هو ليس صراع على السلطة او الامتيازات والنفوذ بقدر ما هو انقسام في منهجين متناقضين في التعاطي مع القضية الفلسطينية.

ومن الغريب أن الاتجاه الأول الذي تتبانه حركة حماس ومن معها من فصائل المقاومة، هو ذات الاتجاه الذي كانت تتبناه منظمة التحرير وكبرى فصائلها حركة فتح منذ نشأتها وحتى انقلابها عليه 1993 لصالح الاتجاه الثاني، وهو خيار التسوية بالطرق السلمية مع تقديم ما يلزم من تنازلات باهظة.

الاتجاه الذي تتبناه كل من حركة حماس ومن معها من فصائل المقاومة يقوم على تبني خيار الكفاح المسلح لتحرير كل شبر من فلسطين، مع إمكانية السير بالتوازي في الخيار السياسي لتحصيل الحقوق ولكن بما لا يضر او يمس بالاحتفاظ بالحق في المقاومة، ودون التنازل عن شبر من الوطن أو الاعتراف بكيان العدو.

أما الاتجاه الذي تقوده منظمة التحرير وكبرى فصائلها حركة فتح، فهو نتيجة لكي الوعي الذي تعرضت على مدار عشرات السنوات من الصراع مع العدو، وهو خيار قائم على نبذ خيار الكفاح المسلح لصالح الخيار السياسي القائم على الاتفاقات الدولية والثنائية برعاية وضمانات دولية، وكان من ثمار هذا الاتجاه بداية اعتراف منظمة التحرير بالقرارات الدولية 242 و 338، الأمر الذي قادها الى مظلة المؤتمرات الدولية لتسوية الصراع، ليس الصراع الفلسطيني الصهيوني بل الصراع العربي الصهيوني بدءا من مدريد الى أوسلو وصولا الى وادي عربة وما صابحها من عمليات تطبيع وتعاون باتت علنية وفجة.

فاذا كانت الحرب اكمال للسياسة بأدوات أخرى فإننا أمام ثلاث رؤى.

أولا: الحرب وسيلة وليست هدفا.

وعلى مدار سبع سنوات ما بين عامي 2008-2014 خاضت المقاومة في غزة ثلاث مواجهات دامية مع العدو ليس حبا في الحرب وإنما دفاعا عن حق فشلت السياسة في تحصيله.

ثانيا: الحرب هي إكمال للسياسة وليست تطورا في السياسة أو دليل على فشلها.

فعندما قبلت حركة حماس بعد تمنع كبير المشاركة في اللعبة السياسية، وخاضت الانتخابات البرلمانية 2006، لم يكن ذلك انعطافة في التفكير او تغير في السلوك، بقدر ما كانت ممارسة لوسيلة أخرى وليست أخيرة إلى جانب خيار البندقية لتعززها وتحميها وتحصنها وتوسع شعبيتها لدى قطاعات عريضة من الشعب.

ثالثا: الحرب "أداة أخرى" أي انها ليست وسيلة أخيرة عند استنفاذ جميع الخيارات المتاحة.

فالمواجهات المسلحة التي تخوضها المقاومة مع العدو ليست خيارا عدميا، بقدر كونه أداة أخرى عند انسداد أفق الخيارات الأخرى، وكأن البنادق هي من يفتح مجالا للخيارات لتأخذ دورها، ففي أعقاب كل مواجهة كانت تفتح بوابات الخيارات السياسية في صورة اتفاقات وتفاهمات، تضيق صلاحيتها بفعل تنكر العدو لها وصولا إلى الجولة التالية.

فاذا كانت المقاومة كأداة أخرى أو إكمال للسياسة لا تختلف عن أي مبادرة سياسية أخرى، فلماذا لا تكون مواقفنا تجاه المقاومة حيادية من الناحية الاخلاقية طالما أنها تهدف إلى خدمة السياسة، فاذا كانت السياسة وسيلة مشروعة فان المقاومة وسيلة مشروعة كذلك.

وعليه لماذا لا يتكامل الاتجاهان.؟

إذا كان خيار منظمة التحرير أثبت فشله بالكلية في ظل تنكر العدو لكافة الاتفاقات الموقعة، بعد أن ثبت لها أن العدو استخدمها كوسيلة أخرى لإتمام احكام سيطرته على الأرض المحتلة، الأمر الذي ترجمته منظمة التحرير بوقف العمل بكافة الاتفاقات مع العدو.

وإذا كان خيار البندقية منفردا جر على قطاع غزة حصارا عدميا داميا شن العدو خلاله عدوانا لثلاث مرات متتالية على مدار 7 سنوات دون تحقيق أهداف سياسية مباشرة.

إلا أن العدوان المستمر على غزة لتحطيم مقدرات المقاومة والشعب واستنزافهما على حد سواء، كان يهدف لتحقيق هدف غير مباشر وهو تسهيل قبولهم بالتسويات السياسية الهزيلة التي بات يقودها اليوم الصهيوني جاريد كوشنير.

فلماذا لا ينزل الطرفان عن الشجرة العناد لصالح الاتفاق على التكامل لا التنازع، لصالح تعزيز كل لاتجاه الآخر بما يصب في النهاية في مصلحة الوطن، فالوطن للجميع ومصلحة الشعب فوق مصالح كل الأحزاب.

إذا كان هدف الحروب التي تخوضها المقاومة مع العدو الصهيوني هو تحقيق أهدف سياسية وليس فقط الدفاع عن الأمن والوجود، فان الاتجاه السياسي الذي تقوده منظمة التحرير بلا أي عناصر قوة مؤثرة على الاحتلال يجب أن يتكامل مع هذا الهدف.

لا شك أن الهدف الذي تسعى إليه السلطة بإحكام حصارها وتكثيف عقوباتها على قطاع غزة لإحداث تغيير في النظام وعودة سيطرة حركة فتح على حساب الفصائل الأخرى قد فشلت على مدار أكثر من 12 عام، والشعب الفلسطيني أثبت في أكثر من محطة أنه مع خيار البندقية وأعلن كذلك في أكثر من محطة أنه لا يتمنى أن يرى سلطة صديقة "لإسرائيل" التي تذبحنا من الوريد إلى الوريد.

كما أن استمرار الوضع الراهن هو حرب استنزاف صامتة ليست في صالح أي من الأطراف الفلسطينية، خصوصا في ظل انعدام الأمل في إعادة الوضع في غزة إلى سابق عهده قبل 2007، وانعدام الأمل كذلك في بقاء وضع السلطة على ما هو عليه في الضفة في ظل تنكر العدو لكافة الاتفاقات الموقعة معها.   

يقف الفلسطينيون اليوم أمام خطر حقيقي على كل الجبهات جراء التغول الصهيوني ليس على أرض فلسطين فقط بل وفي المنطقة العربية بأسرها.

 

التعليقات

Send comment