"أونروا"... هي السبب؟! أحمد الصياد

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

كيف أفشلت وكالة "أونروا" الحل السلمي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على مدى عشرات السنين؟ لا يعرف الإجابة سوى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته وإسرائيل، الذين طالبوا بتفكيك الوكالة التي تقول على موقعها الرسمي إنها ترعى نحو خمسة ملايين لاجئ من فلسطين (ترامب وجدهم 500 ألف فقط). ولعل الأكثر إدهاشا،ً يتجلى في كلام أميركي - إسرائيلي مشترك عن أن "عمل الأونروا من شأنه استمرار محنة الفلسطينيين!" تلك هي عقيدة من يبشرون العالم بأنهم في الطريق إلى الإعلان عن حل جذري ("صفقة القرن") للصراع المركزي العتيق في الشرق الأوسط.

تأسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى وتشغيلهم "أونروا" (UNRWA) في أعقاب نكبة العام 1948، وتحديداً بموجب القرار رقم 302 (رابعاً)، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 1949، وإن كانت لم تبدأ أعمالها إلا في أيار (مايو) 1950. تولت الوكالة مهام هيئة الإغاثة، وتسلمت سجلات بأسماء اللاجئين الفلسطينيين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ويتم تمويل أعمالها من خلال منح مقدمة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وأيضاً من بعض المنظمات. علماً أن "أونروا" في الأصل، وكالة متخصصة وموقتة، تُجدد ولايتها كل ثلاث سنوات حتى إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. عمدت الوكالة على أن تتواصل برامجها وتستمر لتناسب رسوخ معاناة الفلسطينيين جرّاء غياب أي خطوات ملموسة على طريق الحل العادل لقضيتهم. واللاجئ الفلسطيني وفق تعريف "أونروا": "هو الشخص الذي كان في فلسطين، وهي مكان إقامته الطبيعية خلال الفترة الممتدة بين الأول من حزيران (يونيو) 1946 إلى الخامس عشر من أيار (مايو) 1948، والذي فقد منزله ومورد رزقه نتيجة الصراع العربي- الإسرائيلي في عام "1948.

في آب (أغسطس) 2018، أوقفت أميركا كل التمويل الذي كانت تقدمه إلى "أونروا"، وفي حين ندد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالقرار واعتبره: "اعتداء سافراً على الشعب الفلسطيني وتحدياً لقرارات الأمم المتحدة"، كشف بيان للخارجية الأميركية مبررات القرار؛ إذ أفاد بأن "نموذج عمل أونروا وممارساتها المالية، عملية معيبة بشكل لا يمكن إصلاحه". والواقع أن الأزمة لا تنحصر في حجم العطية الأميركية لـ "أونروا"؛ ونما في العقيدة المُحركة للقطب الأوحد في النظام العالمي، والمهيمن بانفراد على الصراع العربي - الإسرائيلي. 

وفي اجتماع لمجلس الأمن في 22 أيار (مايو) الماضي، طالب المندوب الأميركي في الأمم المتحدة جيسون جرينبلات، بتفكيك "أونروا" على أن تنتقل مهامها إلى الدول المضيفة ومعها منظمات غير حكومية، دولية أو محلية، وفق الحاجة. علماً أن الوكالة تقدم خدماتها في الأردن وسورية ولبنان والضفة الغربية وغزة. والأخيرة، المحاصرة من إسرائيل، يتلقى أكثر من نصف سكانها البالغ عددهم مليونان مساعدات غذائية من "أونروا".

وللتفريق بين "أونروا" والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، تجدر الإشارة إلى أن الأولى مسؤولة فقط عن تقديم خدمات إنسانية تشمل البرامج التعليمية والبرامج الصحية والخدمات التشغيلية وبرامج الإغاثة والخدمات الاجتماعية، إلى اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مناطق عملياتها السابق الإشارة إليها. أما الثانية، فمسؤولة عن اللاجئين في بقية دول العالم، وتسعى إلى التعاون مع الحكومات لتوفير الحماية الدولية لهم.

وفي حين يقع مقر المفوضية السامية في جنيف (سويسرا)، تقع مقار "أونروا" الرئيسة في فيينا والعاصمة الأردنية عمان. وبينما نالت المفوضية السامية "جائزة نوبل للسلام" في العامين 1954 و1981، فإن إزالة "أونروا" بدت خطوة على طريق حل القضية الفلسطينية، من وجهة نظر أميركية - إسرائيلية! وبالنظر إلى شيوع تعبير "عسكرة السياسة الخارجية الأميركية" في الأدبيات السياسية التي تتناول تحليل العقيدة السياسية للجمهوريين، نلاحظ أن ترامب أوقف المساعدات المالية للفلسطينيين، وأغلق مقر السلطة الفلسطينية في واشنطن، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارته إليها، واعترف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية، وها هو الآن يطلب تفكيك "أونروا"، لأنها "من أسباب استمرار معاناة الفلسطينيين!" وعليه؛ تأكد ترامب أن ضرباته المتلاحقة تلك حققت أهدافها، ودحرجت الطموحات العربية إلى هوة سحيقة. وبينما ما زالت تشجب الجامعة العربية، ومحمود عباس ما عاد يملك إلا تجميد الحديث مع واشنطن ترامب، فإن الميدان بات ملائماً لعقد مؤتمر "الورشة الاقتصادية"، في البحرين يومي 25 و26 حزيران (يونيو) الجاري بغرض تشجيع الاستثمار الدولي في الضفة الغربية وغزة. لكن من مزايا ترامب أنه يتيح فرصاً حقيقية لتوافق فلسطيني، تضيع للأسف ولا يُبنى عليها عالياً؛ إذ اتفقت السلطة و"حماس"، على أن المؤتمر المذكور يشكل تمهيداً مرفوضاً لـ "صفقة القرن" المرفوضة. إلا أن أخطر ما في الأمر، هو أن جدلاً كبيراً سننخرط فيه نحن العرب، لا طائل من ورائه، قد نتبادل فيه الاتهامات، ونشق ممرات آمنة داخل جبهتنا لأعدائنا، وهو أمر مقصود بالفعل من جانب ترامب و"شلته". فمع مقاطعة السلطة الفلسطينية، ستحضر أطراف عربية، قد يحلو للبعض "توبيخها". وبينما يؤكد عباس أن لا أحد يملك التفاوض باسم الفلسطينيين، فإن البحرين، أعلنت تمسكها بالثوابت العربية التي ترتكز على الشرعية الدولية وفي مقدمها المبادرة العربية للسلام التي أطلقها الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز عام 2002، والهادفة إلى إنشاء دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وعودة اللاجئين، وانسحاب من مرتفعات الجولان السورية، مقابل اعتراف العرب بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها. ويبقى السؤال: ماذا أبقت ضربات ترامب من مكونات المبادرة العربية للسلام؟

التعليقات

Send comment