النكبة والوعي والصراع على الأرض ماجد الشّيخ

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

تحتدم اليوم في الذكرى السنوية الـ 71 للنكبة، جولات من الصراع المتواصل على الأرض، بين شعب الوطن الفلسطيني ومخططات المؤسسة الكولونيالية الإسرائيلية، بدءا من مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، مرورا بمناطق الاحتلال الثانية (الضفة الغربية والقدس) وما يجري داخلهما من مشاريع استيطانية ضخمة، صودق عليها في الآونة الأخيرة، أبرزها ما بعد اعتراف الرئيس الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ القطار المعلق الذي سيربط بؤرا استيطانية في سلوان وفي جبل الزيتون وحتى في البلدة القديمة، حيث تنتشر هناك نحو مائة بؤرة استيطانية، لتتجاوز ذلك إلى ربط تلك البؤر كلها بالقدس الغربية، وتسهيل حركة انتقال المستوطنين بين هذه المناطق، علاوة على وجود مخطط استيطاني كبير جارٍ تنفيذه جنوب الأقصى.

ويوم الخميس الماضي شارك آلاف الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني، في مسيرة العودة الـ 22 التي تنظمها "جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين" في كل عام، تحت شعار "يوم استقلالهم يوم نكبتنا"، حيث تختار الجمعية كل عام بلداً مهجراً من القرى الفلسطينية في الداخل، التي تمّ تهجير أهلها خلال حرب النكبة، وتقوم بتنظيم جولة إلى القرية، للتأكيد على حق العودة، وعلى عدم التنازل عن هذا الحق.

يُقدر عدد المهجرين في الداخل الفلسطيني بنحو 350 ألف فلسطيني، ما تزال المعركة على وعيهم مستمرة، بالرغم من صدور قانون القومية العنصري بطابعه الفاشي، وهم يعيشون داخل الوطن في المدن والبلدات الفلسطينية، بعدما تمّ تهجيرهم من قراهم ومُنعوا من العودة إليها، حتى في الحالات التي صدرت قرارات من المحكمة الإسرائيلية العليا لإعادتهم إلى أراضيهم وبلداتهم، كما في حالة إقرث وكفر برعم والجلمة، لكن حكومات الاحتلال رفضت تطبيق القرارات القضائية، وقامت بقصف وهدم هذه القرى وما تبقى منها، ثم قامت بوضع يدها على الأراضي والممتلكات بعد تشريع قانون خاص، يُعرف بقانون أملاك الغائبين، وتعيين وصيّ على تلك الأملاك، كانت مهمته الرئيسة في الواقع تهريب هذه الأملاك والأراضي، وإعدادها لإقامة المستوطنات اليهودية بشتى أشكالها، من بلدات ومدن سكنية، وحتى قرى تعاونية وزراعية مختلفة.

ومما جاء في بيان "جمعية المهجرين في الداخل الفلسطيني"هذا العام: "71 عاماً مرت على نكبة شعبنا الفلسطيني، وملايين اللاجئين الفلسطينيين لا يزالون مشتتين في مخيمات اللاجئين في الوطن والشتات، محرومين من ممارسة حقهم الطبيعي في العودة والعيش على أراضيهم وفي قراهم ومدنهم. وبين عام وآخر، تتعرّض قضية اللاجئين إلى محاولات شتّى لشطبها من الوجود، سواءً من خلال اشتراط إسرائيل التخلي عنها في المفاوضات العقيمة، أو الإمعان في محاولات توطين اللاجئين في الدول التي يقيمون فيها، والتنكّر لحقوقهم التي أقرّها القانون الدولي، في وقت تواصل فيه إسرائيل مخططاتها الإجرامية لشطب قُرانا ومدننا المهجّرة من الخارطة والاستيلاء على أراضيها ومحاولة طمس هويتنا القومية وتشويه ذاكرتنا الجماعية". وأضاف البيان: "بعد قيام العصابات الصهيونية باحتلال قرانا ومدننا وتهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني إثر ارتكاب مجازر تقشعر لها الأبدان، وتدمير أكثر من 530 قرية ومدينة، ومصادرة أملاكنا وأراضينا، لم تتوقف إسرائيل منذ قيامها عن التخطيط لتدمير عشرات القرى العربية غير المعترف بها، وبشكل خاص في النقب، ومصادرة الأراضي والاستيلاء عليها، وهدم البيوت، وترحيل المواطنين، وتجميعهم في غيتوات ليتسنّى لها بناء المستوطنات والمدن اليهودية على حساب حقوق وممتلكات أهلنا".

المشهد في حي وادي ياصول ببلدة سلوان جنوب البلدة القديمة من القدس المحتلة، لا يختلف عن مناطق استباحها الاستيطان، حيث آثار الدمار الذي خلّفته جرافات الاحتلال في مساكن عائلة برقان المقدسية، توضح حجم ما حلّ بهذه العائلة، وما يمكن أن يطاول نحو تسعين عائلة مقدسية تقطن الحي، جميعها تلقت إخطارات بهدم منازلها لصالح جمعية "إلعاد" الاستيطانية، التي مكّنتها حكومة الاحتلال من السيطرة على كامل منطقة الحي لإقامة ما تدعي هذه الجمعية الاستيطانية أنها "غابة سلام"، بينما يقول سكان الحي إن الواقع يشير إلى أن هذه الغابة ستقوم على أنقاض منازل عشرات الأسر المقدسية التي تقطن الحي منذ ما قبل قيام دولة الاحتلال.

يجري كل هذا في ظل غياب رؤية قيادية فلسطينية واضحة، كما في غياب وحدة الموقف السياسي والهدف السياسي بين طرفي الانقسام السياسي والجغرافي، كما في غيبة وحدة وطنية جادة وحقيقية لمواجهة مخططات الاحتلال وقوى إسنادها الدولية، ومحاولات فرض مشروعات تصفوية للقضية وللحقوق الوطنية الفلسطينية، وعبث قوى إقليمية بمقدرات الجغرافيا العربية، في وقت تتحضر الولايات المتحدة للكشف النهائي عن خطة التسوية الاقليمية بعد الاعلان عن تشكيل حكومة اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، المتوقع أن تستقبلها بالترحاب، كونها الترجمة الفعلية والعملية لرؤية نتنياهو للتسوية التصفوية، ولدفن "حل الدولتين" ومعها تلك الأوهام التي ما برحت طرية، تمازج الوهم بالواقعية العدمية المضللة، وعقلية انتظار سلبية غير فاعلة وغير منتجة.

وهذا هو واقع الحال الفلسطيني اليوم، بعد أكثر من سبعين عاما، انتقل الواقع السياسي والوطني الفلسطيني خلالها، بفضل جولات المفاوضات ونتائجها المرة والمدمرة، ولعنة اتفاقات أوسلو وبعض تطبيقاتها أو عدم تطبيقات بعض آخر، وتجاهل أهمية الانتفاض الشعبي والمقاومة الشعبية، انتقل من حال التحدي والمجابهة والمقاومة إلى حال من التفكك والانهيار وانحطاط سياسات الانتظار العدمية، وهي تتلقى الضربة تلو الأخرى، فلم تفلح في استعادة واقع النهوض الشعبي والجماهيري والكفاحي التحرري، الذي كانته فلسطين بشعبها يوما؛ منذ منتصف ستينات القرن الماضي، ما بعد انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة.

والآن في اعقاب الانتخابات الأخيرة، وفوز قوى اليمين المتطرف فيها وعودة نتنياهو "مؤهلا" لتشكيل ائتلاف من قوى أقصى اليمين، برغم الدعاوى القضائية والاتهامات بالفساد ضده، إنما تعكس خشية هذه القوى بمجموعها من صعود قوى سياسية تفرط بغنائم الاحتلال وتقدم تنازلات للفلسطينيين لتمنحهم بعض حقوقهم في الأرض والعودة إلى ديارهم التي طردوا منها؛ وهذا ما يعتبره الإسرائيليون محالا أن يحصل في ظل هيمنة يمين عنصري فاشي على السلطة. ما يؤكد في مواجهة وضع كهذا ضرورة استعادة الفلسطينيين وحدتهم الكفاحية الباحثة عن عناصر القوة فيهم، لا الاستمرار بمسألة التنسيق الأمني والخضوع لشروط الاحتلال الذي دمر كل إمكانية لوجود حل أو حلول تفاوضية، وأغلق الأبواب جميعها، سوى تلك التي يراد لصفقة ترامب الإقليمية، أن تكون البديل المدمر لقضية وحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، ما يعني استمرار وتواصل حرب النكبة، ليس على الأرض والوطن، بل وعلى وعي الإنسان الفلسطيني لهويته.

التعليقات

Send comment