روايات التهجير الفلسطيني عام 1948 ..فيحاء عبد الهادي

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

 

أحمد أمين الصلاحي: لازم نضلنا نحكي لاولادنا ولاولاد اولادنا

روايات التهجير الفلسطيني عام 1948 ..فيحاء عبد الهادي

يروي أحمد أمين الصلاحي، المهجَّر من يافا عام 1948، والذي أقام في عمّان حتى رحيله في 27 كانون الأول 2018، ذكرياته عن مدينته يافا، وعن الأعمال الإرهابية الصهيونية التي قامت بها منظمة الأرغون وعصابة شتيرن، ضد الفلسطينيين، وضد الانتداب البريطاني؛ لترويع الفلسطينيين، ولتعجيل إنهاء بريطانيا انتدابها لفلسطين، ورحيلها عنها، تمهيداً لتنفيذ الخطة «دالت»، التي واصلت بشكل منظم خطة الاستيلاء على فلسطين، وتطهير أهلها عرقياً. ومن اللافت كما لاحظ المؤرخ «ألان بابه» أن «البريطانيين أعلنوا، بعد أن تمّ تبني الخطة «دالت»، أنهم لم يعودوا مسؤولين عن الأمن والنظام العام في المناطق التي ما زالت قواتهم مرابطة فيها، وهذا يعني تسهيل تنفيذ الخطة على القيادة الصهيونية. وكان التطهير العرقي قد بدأ بعد قرار التقسيم، الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 29 تشرين الثاني 1947، وبالتحديد أوائل كانون الأول 1947:

كنت عمري 15، وصادفت يوم رحت عند أخوي على مركز البوليس بالإشلة، مقابل السّرايا اللي فيها مكاتب الحكومة البريطانية والفلسطينية، وأنا مارق من طريق بتنفد رأساً على السرايا، وعلى الإشلة، لسّه ما وصلت؛ فيه كان Pick up شفته واقف في الدّخلة اللي فيها بكتبوا الاستدعايات مِشان السرايا، وصلت باب الإشلة، وصارت السراي وراي؛ سمعت انفجار هدّ السرايا بما فيها.

لما أجوا اليهود ع فلسطين، ألّفوا عصابتين: عصابة الهاجاناه وعصابة شتيرن، قالوا: إحنا مزارعين ومهندسين زراعيين، استحلّوا قطعة أراضي أو اشتروها! وصاروا يعلّموا كيف الزراعة. اكتشفنا إنه صاروا يحملوا بواريد. لمّا صارت المشكلة تبع السرايا؛ صرنا خايفين اليهود ييجوا ع يافا، اعملنا متاريس بين يافا وتل أبيب، وبين يافا وسلمة، وبين يافا والخيرية، لكن الخيرية ويازور كلها بتمرق من نص تل أبيب مشان ييجوا على يافا؛ فاضطروا يعملوا طرق خارجية مشان ما يِجوش من نُصّ تل أبيب، حادثة السرايا هيّ اللي بدأت الشرارة، فإحنا طبعاً حضّرنا حالنا؛ رحنا انتقمنا. رحنا جبنا بويا ومحينا كلمة الشوارع بالعبري، مشان العصابات ما يعرفوش اسم الشارع. كان الشارع بالعربي وبالبريطاني وبالعبري.

شقاوة الاولاد، لمّا رحت مرة على الإشلة، عند أخوي في دائرة التحقيق الجنائي CID، وجدت بيوت خشبية وراء المخفر، بَسأل أخوي: إيش هدول؟ قال: هدي مستعمرة. عبّيت علبة زيت بريك بنزين، ورُحت خلف CID، ومشيت بين البيوت الخشبية، ورشّيتها بالبنزين وولّعتها، وهربت، قطعت الطريق اللي بتودّي على سكة الحديد، وأنا ماشي؛ صاروا إجريّ مش حاملينّي، ففي واحدة في حوش مفتوح الباب الدّار وعمّالها بتغسل، قلت لها: خبّيني خبّيني، قالت لي: شو عامل يا مهبّب؟! قُلتِلها: حَرَقت المستعمرة، فيه عندها قوسة والقوسة هادي محطوط فرشات، حطّتني في سدر القوسة، ودفعت الفرشات، وجابت طشت الغسيل، وصارت تغسل وإجريها مبيّنات، لمّا دخلوا عليها البوليس الإنجليزي، قالوا لها: شفتِ واحد هارب؟ صارت تصرّخ عليهم: يعني لو دخل عليّ أنا ما بدبحه؟! كيف وأنا مكشّفة؟! ما قدرت أتحرك إلاّ يمكن بعد الساعة 11، 12 بالليل.

(وبعد شقاوة الاولاد، كان لازم نفكر بعمل جماعي نحمي يافا) دخلت فرقة النّجّادة. النّجّادة عبارة عن شباب كانوا مجتمعين لا لهدف عسكري، زيّ هلّأ الجمعيات؛ فلمّا صار يضربونا كانت اليهود مستحلّة مناطق عالية في فلسطين كاشفة يافا، هم من تل أبيب من عماراتهم العالية، وعندهم قنّاصة، لما يبلّش الطّخ يقطعوا شارع النزهة وشارع المنشية، ما نقدرش نروح ونيجي بالشوارع. كل واحد اللي اشترى بارودة، واللي اشترى فرد، فصرنا نطلع نحمي الطرق اللي بتأدّي على تل أبيب، أحسن لَيجونا بالليل متلصّصين، وينسفولنا زيّ ما نسفوا السرايا.

لكن نضحك على نفسنا؟ إحنا معنا بارودة فيها 10 فشكات، أو خمسة، انطخّهم، محدش كان يسندنا، ما كان عنّا منظمات زي الهاجاناه وشتيرن، وما كان عنّا مساندة من البريطانيين. يافا عبارة عن سياج، مكشوفة داير ما يدورها بيارات، لما كانوا يتسلّلوا يقصّوا الشريط وييجوا على يافا! نتصدّى لهم باللي بنقدر عليه.

يحكي الراوي عن رحلة التهجير القاسية عام 1948، وعن سفره قبلها بشهور قليلة إلى حماة، ثم إلى عمّان، وعودته إلى يافا، كي يؤمّن خروج والده منها:

تهجّرنا، طلعنا من يافا لعمّان، إمي جابت ماكينة الخياطة، ع سِبِّة تخيّط لنا أواعي، حتى نسيوا «فضيلة»  -كانت أزغر بنت - وحملوا المخدّة بدالها، لوما أبوي كان في الدار، لحّقها بالسيارة. إلي 40 ليرة مخبّيها في البلاطة، ما جبناهمّش، قلنا: لمّا نروح نبقى نجيبهم. وصلنا جنين.

أبوي أنا جبته، ومعي 3 - 4 من الأصدقاء، وأخوي. جبنا تركّ وحطّينا على جنابه من العروق تبع الموز، وأنا والـ 4 انبطحنا وحطوا علينا عروق موز، ودخلنا يافا، ليلتها نمِت هناك، أبوي أعطى مفتاح الدار لصديقه المسيحي أبو متري. ركبنا سيارة، الشوفير وأخوي قاعد عند الشبّاك وأبوي بالنص، وإحنا رجعنا تمدّدنا تحت الشجر، لمّا وصلنا حدود نابلس وجنين نزلنا.

جينا عمّان كلييتنا بِترَكّ. اشتغلت مع معلمي اللي كان في يافا، فتحنا كراج، ولما مات، ومات أبوي، ما فش شغل إلاّ بالجيش، فقدّمت طلب، وقابلت قائد الجيش «كلوب باشا» فقال: إنت زغير، قلتلّه: لأ، كبَّرت حالي 3 سنين، قال لي: بدنا تروح ع الفحص، انفحصت ميكانيكي، طلعت درجة تالتة، فطبعاً قبلوني.

أنهى الراحل أحمد أمين الصلاحي حديثه بالتأكيد على أهمية رواية الحكاية الفلسطينية:

لازم نضلنا نحكي لاولادنا واولاد اولادنا إيش اللي حصل معانا! وحتى قصقوصة ورق ما بقدر أرميها زِكرى من يافا

نعدك أيها الراحل العزيز، أن نستمرّ في سرد الرواية التاريخية، وأن ننقلها إلى العالم بأسره، بوسائط متعددة، ونعدك أن نوثِّق كل قصقوصة ورق حملها المهجّرون والمهجرات من فلسطين، كي تبقى بعد التحرير شاهداً على التطهير العرقي للفلسطينيين، وشاهداً على نضالهم العنيد لاستعادة أرضهم، وتحقيق حلم العودة العادل. 

التعليقات

Send comment