"المليونية" التي غيرت موازين الديمغرافيا في فلسطين محمد شرقي

دائرة شؤون اللاجئين - حماس - غزة

واجهت "إسرائيل" في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نقصا في استقطاب الهجرة اليهودية، مقابل ارتفاع الهجرة العكسية. رغم الاستمرار الدائم في تعزيز الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، و العمل على تهويدها تدريجيًّا تمهيدًا لضمها إليها، تنفيذا لما جاء في المادة الرابعة من صك الانتداب الذي يحث "على جلب المزيد من المستوطنين من أصقاع العالم!" لأن الكيان الصهيوني يعاني "قلة ديمغرافية" ، أمام تواجد أهل البلد ألا وهم الفلسطينيون.

فازدادت حدة "المشكلة الديمغرافية" كثيرا في أواخر الثمانينيات لدى الكيان الصهيوني، وصار البحث المكثف عن كيفية حلها مؤرقا لدى صناع القرار هناك؟ بسبب التوقعات السلبية لعلماء الديمغرافيا مفادها أن "اليهود سيفقدون الأغلبية في فلسطين التاريخية".

فأقدمت "إسرائيل" أولا في منتصف الثمانينيات، على "تهريب" يهود الفلاشا من إثيوبيا ، عن طريق السودان، بالتواطؤ مع الرئيس جعفر نميري . رغم أن ذوي البشرة السوداء لم يكن مرغوبًا فيهم كثيرًا ،لدى المجتمع الإسرائيلي العنصري أصلا، لكن ذلك لم يكن كافيًا في برنامج وكالة الهجرة؟

وسعت "إسرائيل"، في أواخر الثمانينيات، إلى فتح باب الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي سابقا باعتباره يمثل أكبر خزان بشري لها، رغم أنه كان يمنع مواطنيه اليهود وغيرهم من الهجرة إلى "إسرائيل" لأسباب أيديولوجية وسياسية. وقد بذلت "إسرائيل" كل ثقلها الدبلوماسي لفتح باب الهجرة مجددا، مثلما سمح بذلك مابين (1969-1975) لنحو 100 ألف من مواطنيه اليهود المغادرة نحو "إسرائيل"، إثر الضغوطات التي مارستها عليه الولايات المتحدة الأمريكية. لقد أعادت هذه الهجرة إلى الأذهان تغيير موقف الاتحاد السوفياتي غير المبرّر من قيام "دولة إسرائيل" على حساب الفلسطينيين!؟

ثم تلتها موجة ثانية سنة 1989أسفرت عن تهجير نحو 72 ألف يهودي، إلا أنه توجه سوى 17%منهم إلى "إسرائيل"! في حين اختارت البقية الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه منح لهم هذه المرة حرية التنقل. وكانت تقديرات الدوائر الإسرائيلية أن 5% منهم فقط سيختارون "إسرائيل"؟

بذلت "إسرائيل" جهودا مكثفة لتوجيه هجرة الروس لتكون نحو "إسرائيل" فقط. وفعلا تكللت هذه الجهود بنقل جميع المهاجرين اليهود الروس مباشرة من موسكو إلى "تل أبيب" عبر جسر جوي مباشر..

وقد هاجر من دول الاتحاد السوفياتي سابقا إلى "إسرائيل"، من عام(1989 إلى 2014) نحو مليون و100 ألف مهاجر. هذه المليونية التي تعد الأكبر منذ سنة 1948غيرت من موازين القوة الديمغرافية لصالح الكيان من حيث الحياة الاجتماعية والاقتصادية، متمثلة في: توافد 20 ألف طبيب وطبيب أسنان، و24 ألف ممرض، و45 ألف معلم، و20 ألف عالم وفنان وموسيقي.

 

لقد بعثت هذه الهجرة المليونية في حياة "إسرائيل" حياة إيجابية (من وجهة النظر الصهيونية) عزّزت قوتها بشكل كبير في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية وحتى العسكرية.. ومددت تعداد هذا الكيان الدخيل على المنطقة، وساهمت في تهجير المزيد من الفلسطينيين، حتى إن "اسحاق شامير" وصف هذه الهجرة "بالمعجزة الثانية" في حياة دولة الكيان.

وهو أيضا ما ذكره الرئيس ورئيس الحكومة والوزير السابق، "شمعون بيريز"، في مقالة له سنة2013 بعنوان "المليون الذي غير الشرق الأوسط..الهجرة السوفييتية إلى إسرائيل"، وكما هو واضح عنوان المقالة يحمل مضمونها، حتى أنه قال "بدون هذه الهجرة، كنا في حالة ميؤوس منها" ثم يطرح السؤال: "أتدركون ماذا تعني إضافة مليون يهودي"؟

وبطبيعة الحال كان لهذه الهجرة المشوؤمة تأثيرها الكارثي على الشعب الفلسطيني؛ لأنها غيرت الميزان الديمغرافي بشكل واضح لصالح "إسرائيل"، وعزّزت كثيرا من التوجه الاستيطاني التوسعي لهذا الكيان على حساب شعب أعزل محب للسلام.

ومن جهة أخرى يفتخر الرئيس الروسي بوتين بتميز العلاقات الروسية الإسرائيلية بسبب وجود "أكثر من مليون روسي يهودي أصبحت إسرائيل وطنًا لهم". كما يؤكد "حرص روسيا على سلامتهم ورفاهيتهم"! دون أن يستثني المستوطنين منهم في المناطق الفلسطينية المحتلة سنة 1967 وهو يعلم ذلك؟ حيث يشكل المستوطنون الروس رُبْع مستوطيني الضفة الغربية. فضلا عن وجود الكثير منهم بين القدس وأريحا؟

والغريب أن المستوطنين اليهود الروس لا يزالون يحتفظون بمواطنتهم الأصلية، وأن ثاني لغة مستعملة في دولة الكيان هي اللغة الروسية بعد العبرية، حتى قيل إن الروس المستوطنيين يشكلون هناك دولة في وسط دولة.

التعليقات

Send comment