خطر الحرب والتهجير، والدرس المستفاد من هجرة 1948؟! د. رياض عبدالكريم عواد

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

إن واحد من الاخطار الحقيقية التي تواجه الفلسطينين هو التهحير، الذي كنا نعتقده مستحيلا. إن ماحدث في حرب 2014 على غزة كان بروفة تؤكد ان ذلك ممكنا، وتنفيذه غير صعب، فهل سؤال التهجير بواسطة الحرب وفي زمنه سؤال حقيقي وواقعي؟!

هل ستحاول اسرائيل ان تستغل هذا التأييد الامريكي الاعمى لها في عهد ترامب، الذي همس في أذن ماكرون أن صفقة القرن ستكون الملاذ الوحيد للهروب من الجحيم القادم؟!

هذا إضافة الى الظرف العربي الذي يتميز بالضعف والتفتت، والوضع المعيشي الصعب في قطاع غزة، والانقسام السياسي، كلها عوامل تدفع اسرائيل لشن هذه الحرب/العدوان المدمر على قطاع غزة، الذي سيكون احد اهدافه تحقيق ما لم تستطع أن تحققه السياسة، وتهجير معظم سكان القطاع، واجبارهم على النزوح جنوبا باتجاه سيناء؟!

والسؤال لنتعلم الدرس، كيف استطاعت الحركة الصهيونية تنفيذ مخططها الاجلائي عام 1948؟!

كتب بن غوريون في مذكراته: "في كل هجوم يجب إيقاع ضربة حاسمة تؤدي إلى هدم البيوت وطرد السكان".

ويقول ثيودور كاتس المؤرخ الإسرائيلي الباحث في المذابح الصهيونية: "حدث مرات عديدة أن الجنود الإسرائيلين، الجنود المختارين، أخذوا عشرة من الشباب إلى وسط القرية، وأطلقوا النار عليهم وقتلوهم، كي يرى كل الناس ذلك فيهربون، وإذا لم يكن هذا كافيا، كانوا يأخذون آخرين لقتلهم أيضا".

يؤكد إيلان بابيه المؤرخ الإسرائيلي أن: "نصف الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين، طردوا من منازلهم بحلول مايو 1948. ومن بين 530 قرية فلسطينية التي دمرت في نكبة 1948، فإن نصف هذه القرى هدمت قبل 15 مايو".

لقد لخص الوسيط الدولي الكونت برنادوت (التي إغتالته عصابة إشتيرن الأرهابية في 16 سبتمبر 1948) أسباب خروج الفلسطينيين اللاجئين في تقرير له كالتالي: "نتج رحيل اللاجئين الفلسطينيين عن الذعر والهلع الذي سببه القتال والهجوم على مجتمعاتهم، وبسبب الإشاعات، صادقة أم كاذبة، عن أعمال إرهابية من قتل وطرد".

كما حدد المؤرخ هنري كتن ثلاثة أسباب لهجرة الفلسطينيين:

الإرهاب والعنف اليهودي

انعدام الأمن والأمان في البلاد.

فقدان وانهيار الجهاز الحكومي، الذي يطبق القانون ويحافظ على النظام خلال الأحداث، على أثر انهاء بريطانيا انتدابها لفلسطين، وعدم وجود حكومة وطنية فلسطينية توفر ذلك، وفي ظل تناحر حزبي وعائلي وعشائري بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني، ووعي شعبي ضعيف ومتخلف. (السؤال، هل هذه العوامل أو ما يشابهها مازالت موجودة حتى اليوم؟!)

الحرب النفسية

اتبعت العصابات الصهيونية أساليب الحرب النفسية والدعايات الكاذبة لإكراه العرب على ترك بلادهم، من خلال: توجيه الإذاعات اليهودية السرية تحذيرات إلى العرب الفلسطينيين من تفشي الأمراض الوبائية "الكوليرا، التيتانوس، الجدري"، وان هذه الأمراض الخطيرة قد انتشرت بينهم من جيش الانقاد.

تقويض ثقة السكان بأنفسهم وقياداتهم بغرض تحطيم المعنويات واذكاء الفتنة، مثل الحديث عن حجم وعدد الخسائر في الأرواح بين العرب، والخلافات السياسية بينهم، وضعفهم وقلة كفائتهم.

كما لجأوا أيضاً إلى استعمال مكبرات الصوت، وراحوا يبثون تسجيلاً لأصوات صرخات أنين ونحيب النسوة العرب، ورنين أجراس عربات الإطفاء، يقطعها صوت جنائزي مناشداً باللغة العربية: "أنقذوا أرواحكم أيها المؤمنون، أهربوا لتنجوا .. وإذاعة تسجيلات لانفجارات شديدة عبر مكبرات الصوت.

لقد عمدت القوات الصهيونية إلى تفجير تجمعات الأسواق التجارية والأزقة، ولجأوا إلى إذاعة إنذارات للعرب الفلسطينيين بضرورة الرحيل ومغادرة قراهم ومدنهم في فترات محدودة وإلا تعرضوا للقتل.

لقد جاء في أحد النداءات في مدينة القدس "إذا لم تتركوا بيوتكم، فإن مصيركم سيكون مثل دير ياسين، "أنجُ بنفسك". على الناس الذين لا يريدون الحرب أن يرحلوا جميعاً، ومعهم نساؤهم وأطفالهم ليكونوا آمنين. إنها ستكون حرباً قاسية ودون رحمة، ولا ضرورة لتخاطروا بأنفسكم" .

كما وزعت ملصقات على الجدران حملت معظمها، عبارة "ارحل من أجل سلامتك".

الإشاعات وأسلوب الهمس:

ويوضح ذلك "إيغال آلون" في "سيقر هبلماخ" كما يلي: " قمت بجمع المخاتير اليهود الذين لهم اتصالات مع العرب في القرى المختلفة، وطلبت منهم أن يهمسوا في آذان بعض العرب، بأن تعزيزات كبيرة من الجنود قد وصلت إلى الجليل، وأنهم سيحرقون القرى جميعها في سهل الحولة، وكان عليهم " المخاتير اليهود" الإيحاء إلى العرب بوصفهم أصدقائهم، بأنه من الأفضل لهم الهرب والنجاة في الوقت المناسب، وهكذا انتشرت الإشاعة في سائر أنحاء الحولة، فحدث نزوح جماعي، وكان عدد الذين فروا لا يحصى.

أسلوب "الدعاية السوداء"

استخدم هذا الأسلوب "موشية ديان" في قيادة القطاع الجنوبي، وخاصة عندما أراد الصهاينة إجلاء عرب المجدل ودفعهم باتجاه قطاع غزة، فاستخدم نفس الأساليب والوسائل الضاغطة، التي استخدمت مراراً من قبل، وهي الطرد عبر بث الرعب في نفوس المواطنين "الله وحدة يعلم ماذا سيحل بكِ إذا بقيت هنا".

كما استخدم مختلف أنواع التقييدات سواء: الحشر في أمكنة ضيقة مع حراس وأسلاك، تقييدات العمل والحركة، إضافة إلى بعض الاغراءات.

السؤال الذي يراود اذهاننا بعد سرد الاسباب الحقيقية حول تهجير الفلسطينيين في 1948، هو كيف نستطيع افشال المخططات الصهيونية؟! وكيف نمنع اسرائيل من شن حرب مدمرة على قطاع غزة تستهدف قتل المدنيين وترويعهم وارهابهم، واجبارهم على ترك بيوتهم كما حدث لسكان شرق قطاع غزة في حرب 2014، واستغلال الظرف العربي والدولي من اجل خلق هجرة فلسطينية جديدة؟!

يجب القيام بكل ما يلزم من أجل منع قيام هذه الحرب، داخليا واقليميا ودوليا، وفي هذا مجال واسع للعمل والابداع السياسي والدبلوماسي والشعبي، لمن يريد أن يعمل؟!

يجب أن تلعب الجماهير، خاصة الشباب، دورا هاما في التعبير عن رفضها لشن هذه الحرب/العدوان على غزة.

التنبه والوقوف في وجه تغلغل وانتشار الدعاية الصهيونية بين المواطنين.

التنسيق السياسي والميداني مع مصر واجب وضرورة، لان مصر هي الدولة الوحيدة التي تستطيع حماية الشعب الفلسطيني من خطر المشاريع الاسرائيلية، وحماية أرضها في سيناء من مخططات اسرائيل التوسعية في سيناء المصرية.

بناء لجان شعبية وشبابية هدفها التصدي لاهداف اسرائيل من الحرب، من خلال:

1. مساعدة الناس على البقاء في منازلهم، وعدم تركها الا من اجل الحفاظ على ارواح المدنيين المقدسة.

2. تنظيم ايواء السكان، ومساعدة فرق الانروا في توفير مقومات الحياة الاساسية للنازحين، ومحاولة دفع السكان للعودة فورا وجماعيا الى مناطقهم، والمكوث في بيوتهم فور تمكنهم من ذلك، وعدم الانصياع لتعليمات قوات الاحتلال، وتكرار محاولات العودة بطريقة جماعية مرة تلو الاخرى.

3. تعزيز ثقة السكان بأنفسهم وقياداتهم ومؤسساتهم بغرض رفع الروح المعنوية، واذكاء قيم التعاضد والتعاون والمساندة بين الشعب، ونبذ اي خلافات سياسية ومحاولة الالتفاف عليها ووأدها في مهدها.

4. التصدي لاي دعاية سوداء او همس بين الافراد، او من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تستهدف بث الخوف والرعب في قلوب الناس، من خلال التهويل بعدد القتلى والجرحى، او بث دعايات حول مجازر جماعية، او اغتصاب للنساء والفتيات، او انتشار للامراض والأوبئة.

 

5. حفظ الامن المجتمعي وحماية المؤسسات العامة والخاصة والاسواق الشعبية، وتعزيز قوات الشرطة ودعمها لمنع اثارة الفوضى والثارات العائلية والسرقات.

6. تفعيل مختلف وسائل الاعلام المحلية الوطنية وتزويد المواطنين بالحقيقة.

7. التصدي لوسائل الإعلام المشبوهة أو الغبية، من فضائيات واذاعات ووسائل تواصل اجتماعي، التي تبحث وتلهث وراء محاولات "السبق الصحفي الفاشل" وتشيع أجواء من الخوف والرعب من خلال سياسة التهويل والندب والردح والكذب، التي تنتهجها بحجة حشد الرأي العام الدولي وفضح ممارسة اسرائيل الوحشية!

إن هدف هذه الفضائيات الحقيقي هو بث الرعب بين السكان والإشاعات، سواء كانت صادقة أم كاذبة، لتنفيذ مخططات اسيادهم ومموليهم!!

8. حماية الحدود الجنوبية بالتعاون مع جيش مصر الباسل، ومنع ايٍ من السكان من اختراقها، تحت الزعم ان هذا "نزوح مؤقت الى مناطق آمنة".

لقد علمتنا تجربتنا ان النزوح المؤقت يتحول الى هجرة دائمة. واذا ما حاولت مجموعات كبيرة اختراق الحدود الجنوبية، فيجب استخدام العنف لمنعها من ذلك، فلولا تصدي فصائل المقاومة الفلسطينية للنازحين بالقوة في 1967 لتواصلت عملية النزوح، ونزح الاف أخرين.

اننا على ثقة بأنه من الصعب على التاريخ ان يعيد نفسه، خاصة في ظل زيادة الوعي الوطني الفلسطيني، ووجود السلطة الوطنية الفلسطينية وانتشار المؤسسات الفلسطينية في الداخل والخارج. هذا بالاضافة الى تجربة الفلسطينين وذكرياتهم المريرة مع ذل الهجرة والغربة والنزوح، ووجود حاضنة عربية ودولية، الا أن هذا لا يمنعنا من اخذ الحيطة والحذر، وان نكون متنبهين لمخططات اسرائيل القريبة والبعيدة.

ان الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني والأطر الشعبية والشبابية مدعوة للوقوف أمام هذه الأخطار، والعمل بكل جد لوقف ومنع إمكانية شن عدوان إسرائيلي جديد على غزة، وتشكيل اللجان الشعبية لمنع تداعيات هذه الحرب في حال وقوعها، وافشال هدفها في تهجير شعبنا خارج وطنه، وتحديدا إلى سيناء.

أن مهمة تشكيل لجان شعبية واعية، في كل أنحاء غزة، وخاصة في مدينة رفح لمنع اختراق الحدود، هي مهمة رئيسية وضرورية لإفشال هذا المخطط.

التعليقات

Send comment