النخب الإسرائيلية ويهودية الدولة علي بدوان

دائرة شؤون اللاجئين - بيروت

قد تكون استعادة الأطروحة الإسرائيلية حول يهودية الدولة من أهم التداعيات السلبية التي جاءت بها عملية التسوية المأزومة أصلا منذ عام 1991، على رغم أن تلك الاستعادة لم تكن حالة عارضة على التفكير الإسرائيلي الصهيوني بعد التحولات العميقة التي حدثت خلال الأعوام القليلة الماضية من عمر مسيرة التسوية المختلة. مسرى النقاش يحتدم اليوم بين النخب الإسرائيلية حول مفهوم يهودية الدولة. وهو نقاش لا يتوقف عند السطح السياسي الأمني، بل إنه يأخذ بالهبوط إلى القاع الأيديولوجي الأكثر عمقا في مراتبية الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي.

ذلك أن الحديث عن مفهوم الدولة اليهودية الذي يأتي في سياق هذا التفكير إنما هو أطروحة أيديولوجية، يراد فرضها أيضا على مسار عملية التسوية المُختلة أصلا مع الجانب الرسمي الفلسطيني، بل وباتت اشتراطا إسرائيليا صهيونيا للوصول إلى اتفاق مع الطرف الفلسطيني بما في ذلك الخطة الأخيرة التي جاء بها وعمل على تسويقها وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري تحت عنوان خطة الحل الانتقالي والترتيبات الأمنية المُرفقة. وفي عمق الكلام والحديث، جاء الحديث عن مفهوم يهودية الدولة في دلالة على هلع المؤسسة الإسرائيلية الصهيونية وقواها اليمينية وحتى ما يسمى قوى اليسار الصهيوني وكنتيجة مباشرة لتنامي الدور المُتعاظم والفعل الكفاحي للمواطنين العرب الذين بقوا صامدين على أرض وطنهم بعد عام النكبة والذي باتوا يُشكّلون نحو (22 في المئة) من سكان الكيان الصهيوني، خصوصا مع التصاقهم بهموم أبناء شعبهم في النصف الثاني من الوطن الفلسطيني المحتل في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وترابطهم مع الشتات الفلسطيني في دول الطوق المحيطة بفلسطين.

فالوقائع الدامغة أثبتت أن المواطنين العرب داخل فلسطين المحتلة عام 1948 مع تَقَبُلهم الانصياع لقوانين الدولة العبرية رغما عنهم ومع تسليمهم بوجودها، إلا أنهم لم ولن يكونوا مُستعدين للتماثل معها وتنمية مشاعر الولاء تجاهها أو نسيان حقوقهم الوطنية والتاريخية كاملة بما فيها حق اللاجئين بالعودة. وعليه جاءت مبادرات ملحوظة في سياق البرنامج الكفاحي الوطني لأبناء الوسط العربي الفلسطيني داخل حدود عام 1948 لفضح وتعرية طبيعة دولة (إسرائيل) والنزعة العنصرية التي تحكم بناءها، عبر الدعوة لاستبدال الدولة اليهودية الصهيونية بـ "دولة لكل مواطنيها" والمطالبة بحقوق العرب أبناء البلد الأصليين بما في ذلك تغيير الرموز مثل العَلَم والنشيد.

وفي العودة لجذور المسألة المُتعلقة بما يسمى "يهودية الدولة"، فإن مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل لم يكن ليتصور بأن الدوافع الدينية يُمكن لها أن تُقرر المصير النهائي للدولة العبرية الصهيونية كما كان يُنادي ويسعى وينظّر الآن أقطاب كافة الأحزاب والقوى الإسرائيلية الصهيونية بمن فيهم عُتاة أحزاب ما يسمى اليسار الصهيوني العمالي.

فقد كان تيودور هرتزل علمانيا في قرارة نفسه، وشخصا براغماتيا على طول الخط بالنسبة إلى رؤيته للعامل الديني مُستندا في فلسفته إلى تربيته الأوروبية الغربية التي أعطته ومنحته جرعات من (الدينامية) العالية في تجيير واستغلال العوامل المُمكنة وخصوصا منها العامل الديني لمصلحة بناء النظرية وفلسفة الأيديولوجية الصهيونية وسعيه إلى بناء الدولة الإسرائيلية الصهيونية، حيث كان قد أشار في كتابه الشهير دولة اليهود قائلا سنعرف كيف نُبقي رجال الدين في كُنسهم... الجيش والكهنة سيلاقون احتراما كبيرا.. ولكن ليس من حقهم التدخل في شؤون الدولة.

تيودور هرتزل لم يكن في حينها يقصد الحاخامات اليهود فقط، فخلال ارتكازه على نماذج قومية معروفة سعى إلى إحداث تغيير في مكانة ما أسماه «الشعب اليهودي» وتحويله من الدين إلى القومية. فقد أدرك مُبكرا بأن اليهودية ليست قادرة على لعب دور القاسم المشترك للدولة خلافا للمسيحية الهيكلية، فالوجود اليهودي التقليدي المُبعثر في كيانات قومية مُختلفة لا يمكن له أن يصفو تحت علم الديانة اليهودية إلى مقام القومية الراسخة، فأشتق طريق النظرية الصهيونية، على رغم أن الدولة «الإسرائيلية» بصيغتها الراهنة حددت للدين مكانا مؤسساتيا وسمحت بوجود ونشاط التيارات الدينية الغارقة في رواية الخرافة اليهودية، وبالتالي ضَعُفت وتراجعت بنية (الدولة/ الكيان) أمام البنى المجتمعية/ الدينية والخطاب الخلاصي/ الشوفيني الذي بات منهلا لا ينضب عند قوى اليسار الصهيوني واليمين التوراتي على حد سواء.

فالقومية المدنية المزعومة داخل إسرائيل أخلت مكانها عمليا لهيكلية «يهودية»، ستزداد قوة تصادمها لاحقا مع مشروع الحل الناجز للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني في سياق كفاح الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة عام 1948 وعموم الأرض الفلسطينية وكفاح الشتات من أجل العودة إلى فلسطين. وقبل ذلك، ذهب فيلسوف الدولة اليهودية تيودور هرتزل في تصديره لرؤيته إلى الارتكاز على نماذج قومية معروفة، سعى من خلالها إلى إحداث تغيير في مكانة الدين اليهودي، ساعيا لتحويله من «دين محدود الانتشار في أوروبا وبلدان الشرق الأوسط إلى قومية متجددة»، وباعتبار أن اليهودية عاجزة عن لعب دور القاسم المشترك في بناء الدولة، وفق مفهومها الحديث والمعاصر.

التعليقات

Send comment