هجوم ترمب على "الأونروا" وما وراءه ياسر الزعاترة

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

من الواضح أن التعاطي الفلسطيني والعربي الرسمي مع الحرب التي أعلنها ترمب وفريقه المتصهين على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لم يرتقِ إلى المستوى الذي تستدعيه حساسية القضية.

والحال أن ترمب لن يتوقف عن مطاردة "الأونروا"؛ وذلك كجزء من مطاردته للقضية برمتها، والسبب أن أزماته الداخلية ليس لها من حل سوى المزيد من التماهي مع التيار الإنجيلي الصهيوني، والتيار الصهيوني "الأصيل" الذي يوفر له وسائل الحماية من السقوط، وكلاهما ليست له أولوية أكثر أهمية من مصالح الكيان الصهيوني.

"الأونروا" ليست مجرد أموال يتم صرفها على اللاجئين الفلسطينيين، مع العلم أن نصف ميزانيتها تذهب لإدارتها الأجنبية، إذ لن يموت الفلسطينيون جوعاً إذا توقفت عن العمل، بل هي عنوان بالغ الأهمية من عناوين القضية، بل عنوانها الأبرز، لأن جوهر القضية يتمثل في احتلال أرض وتشريد شعبها، وضرب "الأونروا" يعني ضرب البعد الرمزي لقضية اللاجئين، وصولاً إلى تغييبها بالكامل.

ليس سراً أن استهداف "الأونروا" كان يجري على قدم وساق منذ عقود؛ من قبل أميركا وبعض الأوروبيين، وبتواطؤ من الأمم المتحدة أيضاً، لكن بقاءها في الحد الأدنى ظل تأكيداً على مسألة اللاجئين، وحضورها في صلب القضية الفلسطينية.

هذا البعد هو الذي يفسّر ذلك الاحتفال الكبير بتوجهات ترمب حيالها قبل الأوساط الصهيونية، ذلك أن شطب قضية اللاجئين كان على الدوام جزءاً من البرنامج الصهيوني، وكان لافتاً أن قدراً من التواطؤ العربي قد تم على هذا الصعيد، وما حديث المبادرة العربية عن "حل متفق عليه"  بشأن قضية اللاجئين، سوى تأكيد على ذلك، ودعك من بعض التصريحات البائسة حول ارتياح اللاجئين في الأماكن التي يتواجدون فيها، والتي تورط فيها بعض قادة السلطة مراراً، وآخر ذلك كلام عباس لأكاديميين إسرائيليين عن عدم نيته "إغراق" الكيان الصهيوني باللاجئين (قالوا إنه استخدم مصطلح "تدمير")، مع العلم أن موقفه من هذه القضية معروف، وقد فضحته وثائق مفاوضات مندوبيه مع أولمرت.

حتى الآن، لم ترتقِ ردة الفعل الفلسطينية الرسمية على قرار ترمب، ولا ردة الفعل العربية أيضاً إلى مستوى التحدي، رغم دعوة الأردن لاجتماع للجامعة العربية لمناقشة الأمر.

والأمر يشمل الصعيد السياسي والمالي، إذ لم يخرج أي مسؤول عربي كي يؤكد على أن الدول العربية ستعوّض العجز (ألمانيا فعلت، والاحتجاج رفض التوجه الأميركي)، وهو ما شجع ترمب على مزيد من الغطرسة والوقاحة بقوله إن سيسمح لدول الخليج بتغطية العجز، فقط لعام واحد بانتظار إلغاء "الأونروا" بشكل كامل.

على أن الذي لم ينصر قضية القدس على النحو المطلوب، لن يبادر إلى نصرة قضية اللاجئين، وهي التي لم تكن أبداً سبباً في إفشال المفاوضات مع الصهاينة، لا قبل قمة كامب ديفيد عام 2000، ولا بعدها.

والحال أن نصرة القضيتين لن تتم إلا وفق مسار واحد، ألا وهو تصعيد المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بانتفاضة شاملة، وما عدا ذلك هو محض بث للوهم لا أكثر، حتى لو كانت له قيمة ما، مثل اللجوء إلى المؤسسات الدولية، ولا وجود لعاقل يقول إن اللاجئين سيعودون بالتفاوض.

وحدها المقاومة، وجعل الاحتلال مكلفاً، وتقديم التضحيات، هو ما يفرض التراجع على المحتلين، ويفرض أجندة القضية على الرأي العام العالمي، وعلى الدول أيضاً، لكن البعض كان ولا يزال يتهرب من هذا المسار؛ لأنه لا يطيق كلفته على الأرجح، حتى لو احتج ببؤس المواقف الرسمية العربية.;

التعليقات

Send comment