على بريطانيا أن تتحمل مسؤولية الأونروا علي الصالح

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

إنهم دوما يسبقوننا بخطوات، فبعد أن أصبح قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبعده بعدة أشهر نقل السفارة فعليا إلى القدس، نسيا منسيا، عمليا، جاء دور ملف اللاجئين.

وكما كان متوقعا، فقد نفذت وزارة الخارجية الأمريكية، وعلى رأسها المستوطن الصهيوني المتطرف ديفيد فريدمان، في الأسبوع الماضي، تهديدها بقطع المساعدات وقدرها 350 مليون دولار سنويا، لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"؛ ليس للضغط على الفلسطينيين للخنوع والقبول بصفقة القرن فحسب، بل لتنفيذ المخططات الصهيونية بإسقاط ملفات المفاوضات النهائية، واحدا تلو الآخر، على طريق تصفية القضية الفلسطينية، كقضية حقوق سياسية وشعب يسعى لنيل استقلاله. والتركيز عليها كقضية إنسانية تحل بتحسين الظروف المعيشية، كما هو الأمر في صفقة ما يسمى بالتهدئة طويلة الأمد بين إسرائيل وحركة حماس، التي يجري الإعداد لها. ما يعني إعادة القضية الفلسطينية إلى المربع الأول .

ويتوقع أن يأتي بعد هذا القرار، شطب مصطلح الأراضي الفلسطينية المحتلة من القاموس السياسي الأمريكي، وقد لمحت إلى ذلك وزارة الخارجية الأمريكية قبل فترة، وقالها فريدمان نفسه بالإشارة إليها بالأراضي الفلسطينية المحتلة المزعومة. وطبعا فإن قرار قطع المساعدات ليس من بنات أفكار ترامب، فليس لديه أفكار حتى تكون لها بنات، إنما من إنتاج وإخراج بنيامين نتنياهو، الذي يرى في قضية اللاجئين شوكة في خاصرة إسرائيل، ومصدر قلق وخوف على مستقبلها، وتذكيرا دائما لها بعدم شرعيتها، وإبقاء القضية الفلسطينية حية.

والممثلون والمنفذون للأدوارهم الثالوث الصهيوني فريدمان، وضلعا الثالوث صهر ترامب جاريد كوشنر والمبعوث الخاص جيسون غرينبلات الذي سبق الآخرين في مواقفه المتطرفة ضد الفلسطينيين، والسماح لنفسه بالتطاول عليهم، بدءا من السلطة وحتى حركة حماس، والتعبير الكاذب عن حرصه على مصالح الشعب الفلسطيني، وخوفه والتباكي على مصالحه التي تخلت عنها قيادته حسب زعمه. وكذلك ترديده ما يقوله نتنياهو في محاولة لإخراج القضية الفلسطينية من حيز الصراع في الشرق الأوسط.

كتب يقول، إن المعادلة السياسية في المنطقة تغيّرت حاليا، ولم تعد إسرائيل عدوا للعرب بمن فيهم الفلسطينيون، بل أصبحت إيران العدو المشترك للعرب ولإسرائيل. وإن الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني ليس، كما ادّعى كثيرون، قلب الصراع في المنطقة، وإنّ حلّ الصراع لن يحلّ صراعات أخرى في المنطقة. 

وأضاف في مقال لـ"اسرائيل اليوم": لقد تغيّر الشرق الأوسط على نحو كبير منذ أن بدأ الصراع قبل عقود. وما بدا مستحيلا قبل بضع سنوات، بات ممكنا الآن. وأضاف: عندما زرت المنطقة للمرة الأولى عام 1983، كان الموقف السائد في العالم العربي، هو العداء والحرب مع إسرائيل. لكن بعد 35 سنة، هناك واقع مختلف. ففي مواجهة "عدوانية إيران" يدرك غالبية الزعماء في المنطقة الآن أن إسرائيل ليست هي المشكلة، وأنه يمكن للدولة اليهودية أن تكون جزءا من الحل بالنسبة إليهم.

يضاف إلى هذا الثالوث، المتصهينة نيكي هيلي مندوبة ترامب في الأمم المتحدة التي تسعى للصعود عبر مواقفها المتطرفة واللاخلاقية والحاقدة والمعادية للشعب الفلسطيني. ووصلت الوقاحة بالمتصهينة هيلي الهندية الأصل، إلى التشكيك في أعداد اللاجئين، والاعتراف فقط بـ40 ألفا، وتعريفها اللاجئ، بأنه من ولد في فلسطين وهجر عنها بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، ولا يزال على قيد الحياة، وليس ذرياتهم الذين ولدوا وترعرعوا في المخيمات والمنافي في انتظار العودة. وقد لا يكون القرار الأمريكي قطع المساعدات عن «الأونروا» وما ىسيلحقه من قرارات، بالسواد الذي يبدو عليه. وربما يكون فيه خير لصالح القضية الفلسطينية. فواشنطن بقرارها هذا وغيره من القرارات، إنما تخرج نفسها من دائرة النفوذ والتحكم بالأمم المتحدة وبمصائر البشر والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.

وسيعيد القرار الأمريكي، أو هكذا يفترض إذا ما أحسنا التصرف، واستخدمنا أوراقنا جيدا، قضية اللاجئين إلى الأمم المتحدة المسؤول الثاني عن هذه الجريمة بعد بريطانيا بوعدها المشؤوم الذي منحته في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

فبريطانيا المسؤول الأول عن هذه الجريمة بوعدها المشؤوم، لا بد أن توضع أمام مسؤولياتها التاريخية، وتتكفل، على الأقل في الوقت الحاضر، بالاحتياجات المالية للأونروا لمواصلة تقديم خدماتها، التعليمية والرعاية الصحية والإغاثية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والدعم المجتمعي والإقراض الصغير، والاستجابة الطارئة لحوالي 5.9 مليون موزعين بين الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسوريا.

وفي هذا السياق يجب أن نبني على مطالبة الزعيم العمالي البريطاني جيريمي كوربون، الذي يواجه حملة مسعورة من إسرائيل وأدواتها في بريطانيا، وأطراف في حزب العمال على وجه الخصوص، بسبب مواقفه من فلسطين وقضيتها واتهامه باللاسامية، بريطانيا بالمساعدة في ملء الفراغ الذي خلفه القرار الأمريكي.

المسؤول الثاني الأمم المتحدة باعتبارها صاحبة القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين. فهي المنظمة الدولية المسؤولة عن تأسيس "الأونروا" لتقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، التي تسببت بمشكلتهم بعد قرار التقسيم 181 لعام 1947، وهي المسؤولة عن تمويل الأونروا، حتى إيجاد حل لقضيتهم بالعودة والتعويض.

المسؤول الثالث الدول العربية التي أدت دورا أساسيا في ضياع فلسطين، وهذه الدول مسؤولة أمام شعوبها والشعب الفلسطيني خاصة، عن تغطية ميزانية الأونروا، وهذا ليس استجداء، بل حقا وواجبا. وعلى القيادة الفلسطينية ألا تتردد في مطالبتها وبقوة بتغطية العجز في ميزانية الأونروا.

فالعجز الذي نتحدث عنه ربما يعادل ثمن طائرة واحدة فقط من الطائرات الحربية المخزنة وغير المستعملة في ترسانات الكثير من هذه الأنظمة العربية. والشيء بالشيء يذكر، فإن هذه الأنظمة، وعلى وجه الخصوص الخليجية منها، ستغطي العجز لهذا العام بقرار أمريكي مشروط، كما أفادت هيئة الأخبار الإسرائيلية (القناة الثانية سابقا)، مساء يوم السبت الماضي. وحسب القناة فإن «الإدارة الأمريكية أبلغت إسرائيل بأنها ستسمح لدول خليجية بتحويل ميزانيات هذا العام للأونروا»، من أجل ضمان استمرار نشاطها الفوري. لكن هذه الموافقة حسب القناة، ستكون بشروط أمريكية تلتزم من خلالها الدول الداعمة والممولة بإعادة تعريف مكانة (الأونروا)، وتعريف اللاجئين الفلسطينيين، بهدف تحقيق الإغلاق الكامل للوكالة في المستقبل وإسقاط قضية اللاجئين.

المسؤول الرابع جامعة الدول العربية، فإذا لم تتحرك هذه المؤسسة لسد العجز والاكتفاء فقط ببيانات الإدانة، فلا حاجة لوجودها أصلا.

المسؤول الخامس: الدول العربية التي تستضيف غالبية اللاجئين وهي، الأردن التي يعيش فيها نحو مليوني لاجئ مسجل، ولبنان وسوريا. فتقع عليها مسؤولية العمل والتحرك الفوري لإظهار مخاطر وقف مخصصات الأونروا وانعكاساتها على أوضاع اللاجئين فوق أراضيها، وكذلك على أوضاعها الداخلية واستقرارها وأمنها.

وأخيرا السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، فعليهما تقع مسؤولية كبيرة في السعي لإيجاد البدائل وعدم القبول بأنصاف الحلول وعدم السماح بإنهاء الأونروا، ففيه قضاء على القضية الفلسطينية.

فالأونروا ليست مجرد وكالة خدمات، بل هي الشاهد الدولي على قضية وحق اللاجئين بالعودة، وهي كما ذكر المجلس الوطني الفلسطيني في بيان له، أصبحت العنوان والملاذ وجهة المسؤولية، كما قرر المجتمع الدولي عبر القرار 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1949. وتعكس أيضا التعبير الدولي عن الإقرار بالظلم والإجحاف الذي لحق باللاجئين الفلسطينيين، ونص على وجوب قيام الوكالة بتقديم خدماتها في المجالات كافة، إلى حين حل قضية اللاجئين من جوانبها كافة. وهنا تكمن أهمية الأونروا، وليس فقط في الخدمات التي تقدمها.  

واختتم بالقول إن دول العالم تريد حل مشاكل اللاجئين من البلدان الأخرى بإعادتهم إلى بلدانهم التي هجروا منها، باستثناء اللاجئين الفلسطينيين الذين تعمل واشنطن رغم وجود قرار دولي (194) واضح وصريح ينص على عودتهم إلى ديارهم، على حرمانهم من هذا الحق ومحاولة توطينهم في البلدان التي هجروا إليها. فأي جريمة تلك التي ترتكبها الولايات المتحدة ضد الحق الفلسطيني؟

التعليقات

Send comment