غارات غزة ..بين مسيرة العودة ومعادلة الردع محمد بلور

المركز الفلسطيني للاعلام - فلسطين المحتلة

كالعادة تستدعي غزة أقساطاً من صمودها الداخلي في مواجهة الاحتلال والتحامل على الألم فتخاطب العالم بهمومها وحصارها ويدير المجتمع الدولي رقبته عن حقها في الحياة لعدم إزعاج سيّدة الشرق الأوسط (إسرائيل).

منذ عشرة أسابيع تلعق غزة جراحها وتبتلع النصل وهي ترفع شارة المقاومة السلمية في مسيرة العودة على الحدود مقدمةً عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.

صورة (إسرائيل) الحقيقة التي كشفتها مسيرة العودة من يومها الاول وهي تصوّب الرصاص المتفجر لأجساد المتظاهرين السلميين دفعت الاحتلال لمحاولة عسكرة الميدان فكرر قصف مواقع المقاومة ونقاط الرصد والمراقبة عشرات المرات موقعاً شهداء وجرحى.

وطوال أسبوعين تلت يوم الرابع عشر من أيار الذي ارتكبت فيه (إسرائيل) مجزرة أودت بحياة أكثر من (60) شهيد وجرح (2600) جراح بعضهم خطيرة أفرجت الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها في الإقليم عن أقساط من حلول إنسانية لأزمات غزة في محاولة لاختصار مشهد الذاكرة الذي عاد بآلاف المتظاهرين ومعهم العالم لجوهر القضية الفلسطينية (حق العودة).

كل النماذج المقدمة لفكّ حصار غزة والوصول لاستقرار الميدان لم تصل لمرحلة النضج فهناك تشابكات كثيرة تتعلق بحالة الانقسام الفلسطيني ورؤية كل من مصر و(إسرائيل) وأوروبا لمستقبل غزة المراد نزع سلاحها أولاً وأخيراً .

وحين كانت شهية الاحتلال الإسرائيلي مفتوحة ولا تزال لمزيد من القتل في مسيرة العودة ورجال المقاومة أفصحت المقاومة بحقها الدائم في الرد بعد تكرار خمسة جولات من القصف الثقيل على مواقعها.

ما جرى مساء الإثنين ويوم الاحد الماضي سجّل تدحرجاً مرحلياً متطوراً في ميدان غزة الذي تريد (إسرائيل) الوصول به لمعادلة (مقاومة مردوعة) حين تحتفظ لنفسها بحق إطلاق الرصاصة الاولى والصاروخ الأخير.

ولم ينبلج صباح الثلاثاء إلا وردت المقاومة بإطلاق قرابة (30) قذيفة هاون على غلاف غزة بغزارة وتصويب لم يخرج للواقع منذ انتهاء حرب (204) , بدأت عقبها وسائل الإعلام تنشر عن تهديدات إسرائيلية بدأت من رأس الهرم (نتنياهو) رئيس الوزراء ووزير حربه (ليبرمان) ومستويات أخرى.

وعلى قاعدة (الرد بالرد) أو غارة على كل قذيفة تحفزت وسائل الإعلام لتغطية القصف الإسرائيلي المرجح والذي جاء بشكل نصف معتاد يبدأ معه إطلاق صواريخ طائرات الاستطلاع ثم قصف من الطيران الحربي ولكن بغزارة أكبر.

الاحتلال الإسرائيلي يعاني من عقدة تضرر قوة الردع التي تفاخر بها تاريخياً حين أسمى نفسه (الجيش الذي لا يقهر) منذ حربه في تموز (2006) بجنوب لبنان وعقبها جاءت حروب غزة الثلاثة (2008-2014) لتسجل نقاط إضافية في سجل جنوده المدججين بالسلاح حين التحمت معهم المقاومة بشكل مباشرة واختطفت منهم الجنود.

منذ ثلاث سنوات ويجري الاحتلال مناورات متصاعدة يجهر فيها نفسه لقتال الشوارع وحرب الأانفاق بنماذج تحاكي احتلال واشتباكات قرى ومخيمات في غزة وجنوب لبنان وقد أجرى أكثر من عشرين مناورة منها ثلاث مناورات الأضخم في تاريخه.

الجديد هذه المرة أن دخان الطائرات كان يداعب سماء غزة فيما كانت سفينة تقل مرضى وطلبة وأصحاب حاجات تبدأ طريقها من ميناء غزة إلى ميناء (ليماسول) القبرصي في مشهد يعيد للوعي صورة مسيرة العودة ولكن هذه المرة من البحر مع أناس يحاولون انتزاع حقهم في الحياة.

غارات غزة رفعت القوة النارية المعتادة فتكرر قصف مواقع المقاومة عدة مرات ما أدى لإبادة بعضها عن الوجود في دير البلح وجنوب وغرب غزة ورفح.

القصف في غزة التي اختطف لساعات تواصل النشر الصحفي واهتمام الإعلام المحلي والصديق لمسيرة العودة على الحدود ليست إلا عنصراً في لعبة سياسية تحاول تدجين غزة للولوج قسراً لمشهد سياسي إقليمي يقدم لصفقة القرن .

الناظر لغارات غزة يوم الثلاثاء يقرأ توقيتها ومكانها بشكل مختلف فالمقاومة التي ردت بقذائف الهاون على مستوطنات غلاف غزة لم تكن فقط تحاول الدفاع عن الأبرياء المحاصرين وإنما تكافح لدفع عوامل الضغط المتزايدة على غزة التي أزعجت ضمير الإقليم بتضحياتها في مسيرة العودة.

ورغم إجماع المراقبين لما يجري مؤخراً على عدم رغبة (إسرائيل) ولا المقاومة في الوصول لنقطة الحرب المدمرة إلا أن حدوث تغير دراماتيكي واغتيال شخصيات قيادية وربما ارتكاب مجزرة بشرية سيفتح شلال الدم الدافق مرةً اخرى بغزة في حرب إن وقعت ستسبق فرشاة الرسام السياسي الجديد للإقليم.

التعليقات

Send comment