إتيكيت مخاطبة اللاجئين الفلسطينيين آمنة الأشقر

العربي الجديد - بيروت

أحياناً؛ نجد أنفسنا مرغمين على دفع ضريبة الجهل، ليس جهلنا نحن بل جهل الآخر. وفي حالتنا، نحن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فإننا ندفعها أحيانًا بعمرٍ مبكر وبأشكال عدَّة. في حالتي؛ دفعتها خلال مراحل الدراسة، فقد كنت بين طلّاب لا أشبههم.

في المرحلة الابتدائية، لم يُسمح لبعض صديقاتي بزيارتي لأنَّني أعيش في مخيم، وفي المرحلة الإعدادية، ألقى زميلي بوجهي قنبلة "بيع الفلسطينيين أراضيهم"، وعقاباً رأى أننّا نستحق الحياة في المخيّمات، أمّا في المرحلة الثانوية، فكان عليَّ شرح معنى "المخيّم" لبعض الطلّاب.

لذلك، احرص عزيزي القارئ أولاً لدى حديثك مع لاجئ فلسطينيّ على ألّا تتفوّه أبدًا بجملة تدّعي "أنَّ الفلسطينيين باعوا أراضيهم"، لأنّ قولك ذلك يضعك في خانتين؛ الأولى خانة الجاهل بالتاريخ وتفاصيله، والثانية في خانة المحتلّ الكذوب الذي يدأب ليل نهار على الترويج لهذه السردية، وإذا ما تجرّأت على رمي تلك الجملة جزافًا، أمام لاجئ فلسطينيّ، فلا تتفاجأ بردِّ فعل عنيف وقاسٍ، فمن يبيع الأرض كمن يبيع العرض.

ثانيًا، لا تذمَّ المخيّمات، لا تسبّها ولا تشتمها مهما بلغ بها الحال من القباحة وقلّة الحيلة، ومهما وصل بها الحدّ من البؤس، لا تهن المخيّمات؛ فهي بالنسبة للفلسطيني اللاجئ قلعة صمود ومحطة عودة للوطن، هي بالنسبة لنا قطعة أرض صغيرة، لا تتجاوز مساحتها الكيلومتر الواحد في أحسن الأحوال، توقّف عندها التاريخ.

هي شاهد على كلّ ما توالى علينا من نكبات، داس أرضها مئات الأبطال والقادة من مختلف جنسيّات الأرض، جدرانها غطتها صور آلاف الشهداء، وأبنيتها تحتفظ بعبق بارود يشهد على زمن شائن، فلا تذمَّ تلك المخيمات فهي بقداسة أقدس ما يقدّسه كلٌّ منّا في قلبه.

ثالثًا، لا تتحدث عن قريتك أو مدينتك الأم أمام لاجئ، لا تحسب أنَّ حديثًا كذاك يمرّ مرور الكرام أمامنا، فهو وإن لم يبدُ على ملامح الوجه، يلهب نارًا بين أضلعنا؛ حنينًا لمكان وُلدنا فيه ولم نعرفه، وعشنا ولم نزرْه ولربما يموت بعضنا قبل أن يدركَه.

رابعًا، لا تتحدث بيأسٍ أمام لاجئ، لا أحد ينكر طول "مسيرة النضال والتحرير"، سواء تلك التي على الورق أو على الثغور، الصراع على الأرض يأخذ وقتًا، وكثيرٌ من ضعاف النفوس يرون التحرير بعيدًا أو حتى مستحيلًا، لكنَّ اللاجئين يرونه قريبًا؛ لسنا قومًا حالمين ولسنا نعيش في يوتوبيا بُعْدٍ ثانٍ، لكنّ بانوراما تاريخيَّة سريعة تؤكِّد لنا أنَّ الباطل إلى زوال وأنَّ الاحتلال غير دائم، ونحن لسنا كالغريق وحقُّ العودة ليس بقشَّة، إنّما من فقد الأمل هو الغريق المتعلّق بوعود وتصريحات هي أوهن من القشّة.

خامسّا، لا تجعل من قلادة خريطة فلسطين أو علمها مادة للسخرية والاستهزاء وإن علا مُحيّا من يرتديها ملامح قلّة الوعيّ الوطنيّ، فتلك القلادة مع صغر حجمها وبساطتها تمدّنا بقوّة دفع تدرأ عنّا هُنيهات التلكؤ، وتذكّرنا بأنَّ لنا شيئًا في هذا العالم وأنّ علينا النهوض؛ أنَّ ليس أمامنا حلّ سوى المضيِّ قدُمًا في المسير.

وأخيرًا، نعم نحن اللاجئين الفلسطينيين -الكافرين بالاتفاقيات المجحفة- نؤمن بعودة غير منقوصة إلى أرض فلسطين، إلى فلسطين التي تعلّمنا رسم خريطتها على جدران المخيّمات وطاولات المدرسة، ليس إلى ذلك المسخ الذي اشتركت في خلقه كلّ دول العالم، بل إلى فلسطين من نهرها إلى بحرها، فنحن الذين لا نزال نؤمن بعودة إلى كامل التراب الوطني الفلسطيني.. فأبقِ ذلك في الحسبان لدى لقائك لاجئاً فلسطينياً في المرّة القادمة.

التعليقات

Send comment