حق العودة أم عودة الحق؟! عمران يحيى أبو مسامح

دائرة شؤون اللاجئين - غزة

لقد تبنى الاحتلال الإسرائيلي مقولة أحد زعماء الصهيونية الأوائل (إسرائيل زنجويل) التي تقوم على أن: "فلسطين أرض بلا شعب ينبغي أن تعطى لشعب بلا أرض".

ولم ينكر الاحتلال الإسرائيلي أن هدفهم هو إبادة الفلسطينيين، فقد خاطبهم (رفائيل إيتان) -رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق- قائلا: "إن العربي الجيد هو العربي الميت، ولا بد أيها اليهود من انتزاع حقوقكم من ذلك الميت".

ويؤكد (د. إيلان بابه) حقيقة التطهر العرقي للفلسطينيين، حيث يقول: "إن الصهيونية وضعت خطة مكتوبة للتطهير العرقي في فلسطين قبل النكبة بسنوات، تم تطويرها مع الوقت إلى أن تبلورت نهائيا فيما يعرف بـ (الخطة د)، وتجسد هذه الخطة قرار الصهيونية بإقامة دولة يهودية بقوة السلاح وبتطهير البلاد من سكانها الأصليين".

فلم تكن جرائم الاحتلال الإسرائيلي المتمثلة بالتهجير القسري والجماعي إلا مخططا ومعدا لها مسبقا وفق سياسات عامة ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، وسار الاحتلال الإسرائيلي في مشروعه الإرهابي وهو يعلم جيدا مدى قساوة وظلم ووحشية ما سيفعله وما يقدم عليه، حتى حدثت نكبة 1948، حيث هاجم الاحتلال الإسرائيلي الشعب الفلسطيني المسالم والمحب للسلام وأخرجه من دياره بقوة السلاح، ورافق ذلك أعمال إرهابية وقتل وتنكيل ضد الشعب الفلسطيني، وفي أعقاب حرب حزيران 1967 تفاقم الأمر وازدادت عمليات التهجير القسري والجماعي بسبب الحرب وضغوط الاحتلال وقهره، فلم يشهد التاريخ بكل شروره من استعمار واحتلال وفاشية وعنصرية وشمولية أكثر جمعا لهذه الشرور من الاحتلال الإسرائيلي.

قام الاحتلال الإسرائيلي بجريمته البشعة بحق الشعب الفلسطيني من تهجير قسري وجماعي وتطهير عرقي للشعب الفلسطيني، وبرغم من مسئوليته القانونية والسياسية والأخلاقية والتاريخية إلا أنه لا يعترف بذلك، بل يعمل ليل نهار وبشكل غير أخلاقي على طمس الهوية الفلسطينية، وعلى إزالة معالم جريمته بحق الشعب الفلسطيني، وذلك وفق خطط مدروسة، حيث يقول د. كمال قبعه: "إن الاحتلال الإسرائيلي يتبع منهجا وخططا بديلة، على العمل لشطب وطمس معالم جريمته المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني وخاصة اللاجئين الذين يشكلون النسبة الأكبر منه، وذلك من خلال تغييب وإلغاء قرار (194) وخاصة الفقرة الحادية عشرة منه، والتضييق المنهجي والدؤوب على وكالة الأونروا، باعتبارها عنوانا قانونيا دوليا على المسؤولية الدولية عن نكبة اللاجئين الفلسطينيين، وصولا إلى تصفيتها، وإزالة المخيمات و"إعادة تأهيلها" ومحو طابعها كمعلم هام من معالم جريمة نكبة اللاجئين"، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل سعى الاحتلال الإسرائيلي وبمساندة ودعم من الولايات المتحدة الأمريكية إلى توطين الفلسطينيين في البلاد التي هاجروا إليها، ونادوا مرارا وتكرار بأنه الحل الوحيد لهذه (المشكلة)، وكل هذا يهدف لإلغاء حق العودة، وإلغاء الوضع القانوني والسياسي للاجئين.

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق اللاحقة المرتبطة به والقانون الدولي والأعراف الدولية والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والممارسات العملية الدولية تكفل حق العودة للاجئين إلى ديارهم.

حق العودة لا يسقط بالتقادم، وغير قابل للتفاوض ولا للتصرف أو التنازل عنه أبدا، حيث نصت المادة الثامنة من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على أنه: "لا يجوز للأشخاص المحميين التنازل في أي حال من الأحوال جزئيا أو كليا عن الحقوق الممنوحة لهم بمقتضى هذه الاتفاقية، أو بمقتضى الاتفاقات الخاصة المشار إليها في المادة السابقة، إن وجدت"، وأيضا واضح في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194) عام 1984، رقم (3089) عام 1973، رقم (3236) عام 1974، ورقم (169/35) عام 1980، وأيضا قرار مجلس الأمن رقم (237) عام 1967.

ولا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي من دون الحل العادل والنهائي والمتمثل في عودة اللاجئ الفلسطيني إلى منزله الذي هُجِّر منه، والتعويض عما لحقه من أضرار جراء التهجير القسري والجماعي الذي لحق به، والذي بدوره أدى لصناعة نكبة اللاجئين الفلسطينيين.

إن المشوار طويل والطريق وعرة، ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وقد آن لنا الآن الحديث عن محاكمة مجرمي الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية، خاصة بعدما أصبحت دولة فلسطين رسميا بتاريخ 1 أبريل 2015 عضوا في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قيد نطاق اختصاصها الزمني بتاريخ محدد يبدأ بسريان النظام الأساسي ودخوله حيز النفاذ في 1 يوليو 2002، وهذا ما يمنع دولة فلسطين من ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي عن جريمة النكبة الفلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها تستطيع ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي عن هذه الجريمة وفقا لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي، والذي يعطي الحق للدول بملاحقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية دون أي اعتبار للجنسية التي يحملونها أو المكان الذي ترتكب فيه الجريمة، أي ينعقد الاختصاص القضائي الجنائي لأية دولة ترغب في ملاحقة الجرائم الدولية، وأيضا تستطيع دولة فلسطين مطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ قرار بإنشاء محكمة دولية خاصة تضمن محاكمة مجرمي الاحتلال الإسرائيليين عن جريمة النكبة الفلسطينية لتحقيق العدالة الدولية وحفظ السلم والأمن الدولي الذي يعتبر من مقاصد الأمم المتحدة، خاصة وأن الجرائم الدولية عموما لا تسقط بالتقادم، وذلك بعد تبني اتفاقية عدم تقادم جرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في عام 1968، ولكن ينبغي على دولة فلسطين دراسة المسألة بصورة كاملة شاملة لجميع جوانب الموضوع والسير وفقا لمصلحة شعبنا وقضيتنا الوطنية العادلة.

التعليقات

Send comment