تحقيق/ هل لا زالت "المؤن" التي تقدمها "الأونروا" قبلة الفقراء؟

دائرة شئون اللاجئين - حمــاس - غزة

بينما كانت الشمس قد خلعت لتوها ذيول الظلام وارتدت حلتها المشرقة، كان (أبو احمد) يتفقد بطاقته الشخصية وبطاقة المؤن أو هوية اللاجئ التي تصدرها الأونروا للاجئين الفلسطينيين، ويتأكد من وجود الكوبونة التي أصدرتها له الوكالة، وارتدي (أبو احمد) على عجل ثوبه المعتاد ليلحق أول الدور في الطابور أمام المؤمن –مجمع مخازن ملحق به مكاتب مخصص لاستقبال اللاجئين الأشد فقرا في المجتمع وطلباتهم لتلقي المساعدات الغذائية- وما إن وصل بعد مشوار طويل قطعه مشيا على الأقدام من منزله على الطرف الشمالي لمخيم الشاطئ، لتوفير الشيكل ثمن التوصيلة بالسيارة للمؤن، حتى وجد الطابور طويلا كطول معاناته، وكأن الناس قد اصطفوا حتى قبل خروج الشمس من مخدعها.

طابور على حافة الكرامة

ساعات قضاها (أبو احمد) في انتظار استلام الكوبونة، مثله مثل المئات من اللاجئين الذين تناسلوا من بيوتهم المهترئة لاستلام الكوبونة الغذائية التي تعينهم على الحياة في زمن العيش المر وأجواء الحصار التي تلف غزة كما تلف الأم وليدها.

بدأت الأونروا بصرف المساعدات الغذائية لجميع اللاجئين منذ تولت الأمم المتحدة مسؤوليتهم في اعقاب تهجيرهم من بيوتهم في فلسطين المحتلة سنة 1948.

لكن ومع تحسن الأحوال المعيشية للاجئين في أواخر الثمانينيات بدأت الأونروا بتقليص صرف هذه المساعدات وقصرت صرفها على الحالات الأشد فقرا.

وبدأت الأعداد التي تتلقى هذه المساعدات من الأونروا تتزايد تزايدا مضطردا مع تزايد وطأة الحصار المفروض على غزة منذ 2007م.

والذي أدى إلى تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ما زاد نسبة اللاجئين المعتمدين على المساعدات الإنسانية إلى 80%، ليصل عدهم إلى نحو مليون لاجئ.

وتحتوي السلة الغذائية التي يتلقاها اللاجئون على الدقيق، السكر، الأرز، الزيت، اللحوم المعلبة والحليب المجفف.

كابونات للبيع

حمل (أبو أحمد) كيساً من الدقيق واتجه به إلى حيث تقف العربات وسائقي التكتك تمهيداً لنقله إلى منزله، إلا أن (أبو احمد) نبش جيوبه نبشا بحثا عن الأجرة للسائق فلم يجد، فاتجهت أنظاره إلى حيث يقف تجار شراء الكوبونات، وعرض عليهم بعضا من الأرز والحليب ليستطيع تغطية بعض المصاريف وعلى رأسها أجرة التوصيل.

أشهر طويلة ينتظرها اللاجئون بين صرف الكوبونة والأخرى، رغم أن هذه المساعدة لا تكفي أسرهم المكونة من خمسة إلى عشرة أفراد على الأقل حتى موعد صرف "الكوبونة" التالية.

يُذكر أن "الوكالة" توزع مساعداتها التموينية على الأفقر من اللاجئين، كل ثلاثة شهور، وتستثني الموظفين وأصحاب المشاغل والمصالح الكبيرة منهم، لقدرتهم على العيش دون مساعدة غذائية منها.

اللاجئ (أبو عيسى) كانت تعلوا محياه ابتسامة حزينة وهو ينهى نقل حاجياته، حيث قال إنه كان ينتظر تسلم الكوبونة بفارغ الصبر، لأن الدقيق ومختلف الأنواع الأخرى نفذت من منزله قبل شهر ونصف، وأنه كان يرسل إلى جيرانه لتوفير الخبز الحاف لأولاده.

رغم أن "الكوبونة" التي تقدمها "الأونروا" صفراء، أي أنها مضاعفة إلا أنها لا تكفي حاجة أسرته ذات العشر أفراد طيلة ثلاثة أشهر، إلا أنه يعتبر يوم استلامها يوما سعيدا لأنها بمثابة مساعدة كبيرة تعينه على سد رمق أطفاله، إلا أنه يضطر لبيع بعضها للتجار لتغطية مصاريف عائلته المتعددة والتي لا تغطيها الأونروا.

المؤن بين عد بلفور ووعد العرب

أما المسن (أبو هادي) (70عاماً) والذي كان يستمع أثناء الانتظار في الطابور الطويل إلى إحدى الإذاعات المحلية من جهاز راديو صغير وهي تتحدث عن الذكرى الـ 70 لقرار التقسيم، قال بلهجة ساخرة وهو ينتظر تسلم "الكوبونة"، عمري 70 سنة كعمر النكبة وما زلنا نحن ننتظر وعد العرب بالعودة والتحرير.

وعن سبب توجه البعض لبيع الكابونة قال (أبو هادي) يا ولدي الحياة ليست طعام وشراب فقط، وحتى الطعام المصروف في الكابونة لا يغطي حاجة الناس، فالأسر بحاجة إلى التسوق من الخضار والفاكهة التي لا توفرها الوكالة، وأضاف وللناس مصاريف أخرى كتغطية فواتير الماء والكهرباء ومصاريف الأولاد والجامعات إلخ.

مشاهد من النكبة

وتشكل مشاهد توزيع "الكوبونات" حالة اللجوء في أبهى تجلياتها المأساوية التي يعيشها اللاجئون في المخيمات، حيث يقع مقر توزيع (المؤن) على الطرف الجنوبي للمخيم الذي يقطنه نحو مائة ألف لاجئ.

تجار الكابونات

تركنا الطابور وتوجهنا لنسأل تجار الكابونات عن سبب بيع اللاجئين للكابونات رغم حاجتهم الماسة إليها، حيث أجابنا خالد الحسن –اسم مستعار-أن بعض الناس يبيعونا لأنها لا تغطي احتياجاتهم، فيبيعونها لشراء أشياء أخرى، وبعضهم لا يفضلون تناولها لرداءة نوعيتها، فيبيعونها للحصول على أصناف أخرى، وآخرين يبيعونها لتغطية مصاريف عوائلهم وأبنائهم في المدارس والجامعات.

وأضاف تاجر اخر ان اغلب المستفيدين في هذه الأيام لا يرغبون في بيع الكابونة لتدهور الاحوال الاقتصادية وحاجتهم الماسة لبعض مكونات الكابونة الاساسية مثل الطحين والسكر والسيرج وهذه مكلفة لدى الاسر الفقيرة فهي لا تستطيع شرائها في غالب الايام لذلك تنتظر موعد الكابونة بفارغ الصبر ؛ وأشار ثالث ان في الماضي كان المستفيد سرعان ما يبيع حصته لتغطية مصاريفه واحتياجاته الاخرى وذلك قبل تقليصات الأونروا لبعض المواد الغذائية كما أن قطع الكابونة عن العديد من المستفيدين ساهم في زيادة الحاجة لدى المواطن مما اثر سلبا على حركة البيع والشراء في تفضيل المستفيد بنفسه للجيران او الاهل بعيدا عن التجار املا في قليل من الربح لتغطية مصاريفه المتزايدة.

 ورغم الربح البسيط الذي يكسبه تجار الكابونات، إلا أن ضيق العيش جعلهم يتكاثرون حول (المؤن) ثم زحفوا إلى داخل المخيم ففتحوا بسطات ومحلات مخصصة لبيع هذه الكابونات التي تجد إقبالا من الناس نظرا لثمنها المنخفض عن مثيلاتها في البقالات.

باب عمل وارتزاق

ويفتح تسليم الأونروا للكابونات باب رزق لكثير من المهن الأخرى مثل تجار الكابونات، سائقي العربات التي تجرها الحيوانات والتكتك، وحتى سائقي سيارات الأجرة الذين ينقلون اللاجئين المستفيدين من الكابونات من وإلى المؤن.

وتقوم الأونروا بصرف العديد من المساعدات في شتى المجالات مثل المساعدات التي تصرف كبدل إيواء للمهدمة بيوتهم في الهجمات السابقة التي تعرضت لها غزة، والمساعدات التي تصرف كبدل إعمار للمهدمة بيوتهم، ومساعدات لأعمال الإصلاحات للذين تضررت بيوتهم من الحرب.

عدوان: يجب توفير مساعدات مادية

من جانبه طالب الدكتور عصام عدوان رئيس دائرة اللاجئين في حركة حماس الأونروا بزيادة مساعداتها التموينية وتوفير مساعدات نقدية بجوارها لتلبية احتياجات اللاجئين الأولية والأساسية، وبدون ذلك فالأونروا والمجتمع الدولي مقصِّرون تجاه اللاجئين، ولفت عدوان الانتباه إلى أن احتياجات اللاجئين الأساسية لا تقتصر على السلة الغذائية، بل هناك احتياجات لا تقل أهمية، كتوفير ماء الشرب المناسب، في ظل عدم صلاحية مياه الشرب في قطاع غزة، واحتياجه لمواد غذائية أخرى لا تقل أهمية مثل الخضار والفواكه، فضلاً عن مواد التنظيف، واحتياجات التنقل، والرسوم الدراسية للأبناء، واحتياجات إنارة البيوت والتدفئة، وهذا يتطلب من الأونروا توفير مساعدات نقدية لتلبية احتياجات اللاجئين الأولية والأساسية.

تدهور مستمر أوضاع اللاجئين

وبحسب مسح للفقر أجرته وكالة الغوث 2017م، فقد انخفض الوضع المعيشي للاجئين، حيث يعيش أكثر من 363 ألف لاجئ، أي نحو ثلث اللاجئين المسجلين في فقر مطلق، فيما يعيش أكثر من 629 ألف لاجئ منهم ضمن فئة الفقر المدقع يشكلون نحو 119 ألف أسرة، فيما بلغ عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية التي تقدمها الأونروا مع نهاية سبتمبر 2017، أكثر من 993 ألف لاجئ يشكلون أكثر من191 ألف لفأسرة.

وتشهد لوائح اللاجئين الطالبين للمساعدات من الأونروا زيادة مضطردة، ففيما بلغ العدد الكلي للمستفيدين من مساعدات الأونروا عام 2014م أكثر من 823 ألف لاجئ، بلغ هذا العام 2017م أكثر من 993 ألف لاجئ، بزيادة بلغت 170 ألف لاجئ.

كما أن ما يزيد عن 50% من أطفال القطاع يعانون من أمراض فقر دم وسوء التغذية، في حين اظهر التقرير السنوي لوكالة الغوث أن نسبة الأطفال الذين يعانون من نقص الوزن بلغت نحو 3%.

ويذكر أن تعداد اللاجئين في القطاع بلغ نحو مليون ومائتي ألف، أي ثلاثة أرباع السكان وبلغت معدل الزيادة السنوية 3% وهي أعلى نسبة زيادة بين أوساط اللاجئين.

الأونروا تجيب وتتجاهل

وعندما توجهنا بالسؤال للمكتب الإعلامي للأونروا عن سبب لجوء الكثير ممن يتلقى هذه المساعدات إلى بيعها، وعن وجود إحصائية لنسبة هؤلاء إلى العدد الكلي الذي يتلقى المساعدة، قال الأونروا أنها تحرص على الحصول على التغذية الراجعة من المنتفعين حيث كان اخرها التواصل مع عينة من المنتفعين التي أظهرت أن عدد الأسر التي تقوم ببيع بعض من مكونات السلة الغذائية قليل جدا مقارنة مع العدد الاجمالي للمنتفعين، وكان التبرير لتغطية بعض من احتياجاتها الملحة.

لكن الأونروا تجاهلت الإجابة عن سؤال يتعلق عن سبب امتناعها عن صرف مساعدة نقدية إضافة للمساعدة العينية للفقراء كي لا يضطروا لبيعه المساعدات بأقل من قيمتها السوقية، ولمساعدتهم على تسيير شؤون حياتهم في ظل تزايد حالات الفقر المدقع بما أن بعض اللاجئين يقومون مضطرين ببيع هذه المساعدات لأنها لا تغطي كافة احتياجاتهم.

وعن نية الأونروا تحسين نوعية المواد الغذائية في الكابونات قالت الأونروا أنها تعمل على تحسين مكونات السلة الغذائية وأنه تم تطبيق السلة الغذائية الحالية منذ ابريل 2016 وتم إلغاء واضافة بعض المواد الغذائية حسب التغذية الراجعة من المنتفعين، موضحة أنه تم استبدال اللحمة المعلبة بالسردين المعلب وتم ايضا اضافة العدس والحمص للسلة الغذائية.

باحث اجتماعي يكذب الأونروا

وفي لقاء غير رسمي مع أحد الباحثين الاجتماعيين العاملين في الأونروا أفادنا أن استطلاع الرأي لعينة من المنتفعين الذي أجرته الوكالة أظهرت أن عددا كبيرا من المنتفعين يبيعون الكابونات الغذائية التي يحصلون عليها من الأونروا، كما أثبت الاستطلاع عدم رضاهم عن نوعية التغيير في محتويات المواد الغذائية التي استبدلتها الأونروا والتي وصفتها بالتحسين بينما هو تدهور، مشيرا إلى أن معلبات السردين التي تصرف في الكابونة تباع خمس علب منها بشيكل واحد لردائتها.

الحاسوب يصرف ويمنع

وعن الشكاوى المستمرة من اللاجئين من قطع المساعدات عنهم أفاد الباحث بأن الأونروا ألغت دور الباحث ووضعت نظاما محوسبا يعتبر هو الآمر الناهي وبناء على النظام المحوسب يتم صرف أو حجب الكابونة عن الفقراء، فيما يقتصر دور الباحث على جمع البيانات عن الفقراء فقط، وأكد الباحث أن النظام المحوسب صرف كابونات للكثيرين من غير المستحقين وحجبها عن مستحقيها.

تدهور وليس تحسين

وما تعتبره الأونروا تحسين من اللحمة إلى السردين واجه وخلال لقاءاتنا مع المستفيدين تذمرا كبيرا وعده بعضهم تدهورا وليس تحسين، حيث لا تجد نوعية معلبات السردين قبولا لدى اللاجئين الذين كانوا يعتبرون معلبات اللحمة حلوى الكابونة على عكس معلبات السردين التي يحاول اللاجئون التخلص منها ببيعها او اهدائها للجيران.

شكاوى مستمرة

اللاجئة أم روحي"40 عاماً " تقول إنها منذ سنوات وهي تعتاش وعائلتها على المعونات الغذائية التي تقدمها الوكالة، خاصة وان زوجها لا يعمل منذ سنوات عدة، وأوضاعها الاقتصادية صعبة للغاية، إلا أن الوكالة حرمتهم من هذه المساعدات مؤخرا بحجة أن هناك تقليص في حجم المعونات التي تصرفها الوكالة نظرا للأزمة المالية التي تمر بها.

وأضافت أنها لا تكف عن تقديم الطلبات للوكالة سواء للمساعدة أو للتشغيل على بند البطالة دون جدوى.

مناشدة

في ضوء المشاهد السابقة يجد المرء نفسه مضطراً لرفع مناشدة عاجلة للأونروا لإعادة النظر في المساعدات التي تصرفها للاجئين سواء من حيث الكمية والنوعية أو من حيث إرفاق الكوبونات بصرف مبلغ مالي لمساعدة الفقراء على تلبية احتياجاتهم المتزايدة، لأن الأونروا التي أنشأت وهي تحمل اسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، عليها القيام بوظيفة الإغاثة والتشغيل التي أوكلت لها بكافة أشكالها كما يجب.

مؤن

مؤن 2

مؤن 3

التعليقات

Send comment