الأونروا تحرم موظفيها الأمن الوظيفي بمحاسبتهم على "اللايك"

الرسالة - غزة

لم يدر بخلد أحمد خالد -اسم مستعار-الموظف في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" أن كتابته لمنشور عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" ضد اعتداء جيش الاحتلال الإسرائيلي على فتاة فلسطينية خلال انتفاضة القدس، سيحرمه من نصف راتبه.

فمنذ عامين تقريباً، تحظر "أونروا" على موظفيها التفاعل مع القضايا الوطنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد حظرها للتفاعل على أرض الواقع في مظاهرات أو مهرجانات وطنية، ومعاقبة كل من يخل بهذا القرار، ليصبح الموظف في الوكالة الأممية محاسبا على كل إشارة على مواقع التواصل الاجتماعي لها علاقة بالقضايا السياسية.

معد التحقيق حصل على نسخة من نشرة وزعتها "أونروا" على مدراء مؤسساتها العاملة في قطاع غزة، تحظر فيها التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى وإن كان ذلك التفاعل يقتصر على وضع "لايك" لمنشور أو أن يشار للموظف في أي منشور أو صورة لها علاقة بالقضايا الوطنية.

وحملت النشرة صوراً لمنشورات على "فيسبوك" نشرها موظفون بالأونروا، وقد فرضت عقوبات على أصحابها، كما تتضمن عبارات تشديد على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وبعد البحث والتحري، توصلت "الرسالة" إلى أن عشرات الموظفين العاملين في "أونروا" عوقبوا بخصومات مالية وإنذارات بالفصل، والتحذير من المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أن النشرة سابقة الذكر لم تصل لأي موظف سوى مدراء المؤسسات التابعة للأونروا.

أصل القضية

مصدر مسؤول في اتحاد الموظفين العرب في الوكالة قال في حديثه لـ"الرسالة" أن "أونروا" ترفض بشكل تام مشاركة الموظفين في أي ملفات وطنية على مواقع التواصل الاجتماعي تحت أي بند كان، وتشمل المشاركة وضع "اللايك" على المنشورات، أو كتابة منشورات، أو مشاركة أخرى، أو الإشارة للموظف في منشور، وهذا المنع يندرج على النصوص والصور والمقاطع المصورة.

وأوضح المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه بناءً على قرار من الأونروا بعدم الحديث لوسائل الإعلام أن حجة الأونروا في منع مشاركة الموظفين عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتلخص فيما تصفه بـ"مبدأ الحيادية"، والذي يقضي بالبعد عن أي تفاعل له علاقة بـما تسميه "العنف".

وشدد على أن الاتحاد يرفض هذا المبدأ الذي ينتقص من حقوق الموظف في حرية الرأي والتعبير، مؤكدا في الوقت نفسه على رفض التحريض على العنف، وإنما المساندة في القضايا الوطنية التي تمس حياته كمواطن فلسطيني هجر من أرضه.

وأشار المصدر إلى أن الخلاف حول تعامل الأونروا مع موظفيها ما زال قائماً، وأن الاتحاد طالب بعقد ورشات عمل لتوضيح المسموح والممنوع بما لا يخل بمبادئ الوكالة ولا بحقوق الموظف، وذلك كله تحت مظلة قوانين الأمم المتحدة.

وبيّن أن الاتحاد اجتمع مع مسؤول عمليات الوكالة للحديث حول هذه القضية، حيث طالبه بضرورة تحديد المسموح للموظف والممنوع قبل اتخاذ أي قرار عقابي كما يحدث حالياً.

وأشار إلى أن مراقبة حسابات الموظفين تجري من قبل مؤسسة إسرائيلية اسمها "منظمة مراقبة الأونروا"، حيث ترفع تقاريرها حول متابعة الموظفين إلى الدول المانحة للأونروا، والتي ترسلها إلى إدارة الأمم المتحدة والأونروا.

التحقيق والاستدعاء

بصعوبة بالغة، توصل معد التحقيق لعدد من الذين تعرضوا لعقوبات من قبل الأونروا، وتراوحت ملفات التحقيق معهم في الدائرة القانونية للأونروا بين المشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو المشاركة في فعاليات مناصرة للقضية الفلسطينية بشكل مستمر كما بقية المواطنين بغزة.

وبالعودة لقضية الموظف أحمد خالد فإن مجريات التحقيق بدأت معه بعد استدعاء للمقابلة في مكتب الدائرة القانونية التابعة للأونروا، والتي أحضرت له صورا شاركها على صفحته على "فيسبوك" في بدايات انتفاضة القدس مطلع عام 2016، والتي عبر من خلالها عن غضبه مما يجري من قبل قوات الاحتلال بحق الفتيات الفلسطينيات في الضفة.

ويقول في حديثه لـ"الرسالة": "تفاجأت بالاستدعاء وكأني مرتكب لجريمة، لكن مع بداية التحقيق اتضح لي أن القضية تتعلق بما تسمى حيادية الاونروا، وتفاجأت أكثر حينما عرضوا لي صور مشاركاتي على فيسبوك".

وفي مسألة التحقيق مع الموظفين، كشف أحد العاملين السابقين في الأونروا والذي تعرض للفصل والمساومة على عمله نتيجة مشاركته في القضايا الوطنية قبل شهور، أن من يجري التحقيقات هم فلسطينيون من موظفي الأونروا بغزة، ويرفعون توصياتهم بفرض العقوبات على الموظفين والتي تصل إلى حد الفصل من العمل بلا رجعة.

وأوضح المصدر في حديثه لمعد التحقيق أن الموظفين الأجانب لا يجرأون على التحقيق مع فلسطيني لأنه يمارس حقه الطبيعي في حرية التعبير عن الآراء، لكن الموظفين الفلسطينيين هم من يتكفلون بالمسألة وكأن المحقق معهم هم إسرائيليون بالنظر إلى النصوص التي يراجعون على نشرها، ومضمونها.

وتصل التحقيقات إلى مكتب مسؤول عمليات الأونروا بغزة والذي يوافق من طرفه على توصيات اللجنة "الفلسطينية" التي تحاسب الموظفين الفلسطينيين لدفاعهم عن قضاياهم الوطنية، ولاحقاً يجري تنفيذها بخصم أسابيع عمل، أو التحذيرات المكتوبة بالفصل في حال تكرار الأمر.

وبيّن أن ما يجري حالياً يفقد الموظف أمنه الوظيفي بصورة لم تعهدها الوكالة من قبل، مؤكداً في الوقت نفسه ضعف الأداء النقابي لاتحاد الموظفين في مواجهة قرارات الوكالة التعسفية، وكذلك الحال مع بقية المؤسسات التي يجب أن يكون لها كلمة لإيقاف ما وصفه بـ "الردع الذي تقوم به الوكالة".

الاتحاد غائب

وحين طالبت "الرسالة" المؤتمر العام لاتحادات الموظفين بتعقيب رسمي على القضية، كان الرد بوجود بيان قد نشر في 24 / 4 / 2017 حول القضية، والذي ورد فيه ما يلي: "مرة أخرى تفاجئنا إدارة الاونروا بإصدار عقوبات بحق بعض الموظفين في وكالة الغوث بداعي استخدام الفيسبوك في أمور وطنية حيث قامت بخصومات من رواتبهم تصل إلى راتب شهر كامل في بعض الأحيان إضافة إلى الإنذارات".

وأشار المؤتمر العام في بيانه إلى أن هذه العقوبات تضرب بعرض الحائط تفاهمات سابقة مع رئيس المؤتمر السابق سهيل الهندي حول عدم القيام بأي عقوبة وإغلاق الملف لحين وضع آلية واضحة في ذلك تبين المسموح والممنوع ويتم توجيهها لكل الموظفين.

وأكد على الرفض المطلق لهذه العقوبات من طرف واحد وغطرسة إدارة الاونروا وفرض الارادات، مشيراً في الوقت نفسه إلى تفهمه لقوانين الوكالة وحيادتيها و"لكن ليس على حساب وطنيتنا وهويتنا الفلسطينية" وفق ما جاء في البيان.

وحذر الاتحاد إدارة الوكالة من التمادي في إغلاق أبواب الحوار مع اتحاد الموظفين والتصرف من جانب واحد، و"سيكون لذلك عواقب وخيمة"، وفق قوله.

الأونروا تقر

بدوره، يقر المستشار الإعلامي للأونروا عدنان أبو حسنة في حديثه لـ"الرسالة" بأنه تم تنفيذ عقوبات بحق موظفين تابعين للأونروا خلال الفترة الماضية، واصفا إياها بـ"البسيطة" رغم أن بعضها وصل إلى مرحلة الفصل من العمل، أو خصومات مالية لا تقل عن 300 $ من راتب الموظف.

ولم يخفِ أبو حسنة أن العقوبات أدت إلى ما وصفه بـ"التزام مطلق" من قبل الموظفين بـ" مبدأ الحيادية"، والذي قال إن معايير العمل لدى الأونروا كمنظمة أممية تستمد من القيم الأممية والتي في مقدمتها الحيادية".

وفي رده على اتهام يوجه للأونروا في هذه القضية، بأنها تنتهك حقوق الرأي والتعبير في القضايا الوطنية، قال أبو حسنة "بعيدا عن كل هذا، لدينا منظمة أممية تخدم ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط، وما يعنينا أن لا يتهمنا أحد، وأن نستمر في تقديم الإغاثة لهم"، وبذلك لم نجد إجابة لسؤالنا في رده على الاتهام سابق الذكر.

ومما ذكره أبو حسنة أن موظفي الأونروا وقعوا على تعهد قال "إنهم يعرفونه جيدا" دون تحديد توقيت توقيعه قبل التوظيف أم تعهد مستجد، يقضي بالالتزام بالحيادية ومبادئ الأمم المتحدة وعدم التحريض على العنف أو العنف ذاته.

وأضاف: "لا نمنع أحدا من التعبير عن رأيه بطريقة سلمية بعيداً عن العنف والتطرف"، نافيا تدخل أي جهة خارجية في إجراءات التحقيق أو الاستدعاء أو متابعة الموظفين وإنما ذلك كله يتبع للدائرة القانونية في الأونروا، ردا على ما جاء في حديث مسؤول في الاتحاد قال فيه إن منظمة إسرائيلية تتابع الرصد والتدقيق.

خطأ قانوني

الخبير في الشؤون القانونية صلاح عبد العاطي قال إن الوكالة ترتكب خطأ قانونيا في تعاملها في هذا الملف مع موظفيها، وذلك بعدم احترامها للمواثيق الدولية التي تؤكد على حرية الرأي والتعبير، وعدم انسجام حجم العقوبات مع الخطأ، في ظل أن ما يحاسب عليه الموظف من قبل الوكالة لا يخترق القانون الوطني أو الدولي.

وأوضح أن قضية محاسبة الأونروا لموظفيها لتفاعلهم على مواقع التواصل الاجتماعي معقدة ومركبة لعدة اعتبارات أهمها أن الوكالة مؤسسة أممية وبذلك هي ملزمة باحترام الإعلان العالمي لحقوق الانسان وميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حقوق التعبير والرأي، والاعتبار الثاني أن الوكالة تتعرض لهجوم غير مسبوق من الاحتلال الإسرائيلي لتغيير مهامها تمهيدا لحلها بشكل كامل في وقت لاحق.

كما أشار عبد العاطي إلى أن الضغوطات تهدف إلى تغيير صفة اللاجئ، مشيرا إلى أن هناك ضغوط تستخدم فيها (إسرائيل) كل الإشارات بحق موظفيها واتهامهم بمساعدة المقاومة أو استخدام المدارس في أمور أخرى غير التعليم، عدا عن اتهامات التحريض.

وأما الاعتبار الثالث بحسب عبد العاطي فإن من حق الوكالة تنظيم عملية استخدام التواصل الاجتماعي أثناء دوام الموظفين كأي مؤسسة خشية من تضييع الوقت كبقية المؤسسات أما خارج الدوام فهم مواطنون لهم حرية الرأي والتعبير كمواطنين فلسطينيين، مؤكدا أن البيئة التي تعمل بها الوكالة متابعة (إسرائيل)، وهذا ليس تبريرا بأي حال لما تقوم به الوكالة.

وبيّن أن ما تقوم به الأونروا أقرب إلى إجراءات التعسف، فالموظفون الذين تعاقبهم هم موظفون فلسطينيون لا يمكنهم عزل أنفسهم عن البيئة التي تنتزع فيها (إسرائيل) حقوقهم وتضيق عليهم حياتهم.

وحول إمكانية مراجعة الموظفين للقضاء في حال تعرضهم للعقوبات، أوضح عبد العاطي أن موظفي الوكالة يخشون على أمانهم الوظيفي في حال تقدموا بشكوى إلى القضاء الفلسطيني، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن قرار المحاكم الوطنية لا ينطبق على الوكالة؛ لأن المؤسسة وموظفيها يملكون حصانة والقرارات الصادرة عنهم لا تراجع من قبل القضاء.

وفي نهاية التحقيق، توصي "الرسالة" بضرورة التصدي لهضم الوكالة لحقوق موظفيها في حرية الرأي والتعبير، لاسيما ما يتصل بالقضايا الوطنية، كما ينبغي المبادرة لعقد ورشات عمل لموظفيها توضح فيها سياسات النشر بما لا يخل بمبادئ الأونروا، ولا ينتقص من حقوق الموظفين كفلسطينيين لهم الحق في التعبير عن القضايا الوطنية، كما توصي مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية بمساندة الموظفين الذين وقعت بحقهم قرارات خصومات مالية أو تحذيرات إدارية.

التعليقات

Send comment